recent
أخبار ساخنة

ما صحة سردية قصيدة النثر؟ - كامل الدليمي


لعل الهدف الذي جاءت من اجله قصيدة النثر لتفرض وجودها على الأجناس الأدبية هو الرغبة الكبيرة لدى روادها للمغايرة  فظهرت بقوة وبصورة جديدة للشعر تكون مقبولة ومؤثرة قادرة على أن تلهم الشاعر بما يتوائم ومطامحه في التعبير( أن تفتح للشاعر فضاءات من الحرية يسلكها ليصنع الجمال بلا قيود) بحيث يتجلى التعبير بالحالة التي يقف عندها القارئ متأملًا ومستفهمًا، ثم متوغلا لاستكناه مكونات وتوجهات هذا التعبير ليكون شعراً من طراز قصيدة النثر الذي ينأى عن النثر الشعري الذي كانت له صولة زمنية هي التي مهدت لظهور قصيدة النثر ولقد تميّزت قصيدة النثر عن الطابع الشعري الذي سبقها بأن ركزت على حصر التصنيف بتكوين نوعها على أنها قصيدة، مثلما شددّت على أن تكون موجزة تختزل الكثير من الجمل والعبارات الاستطرادية التي لا ترى موجبها لوجودها داخل جسد النص، نفهم من هذا القول طردت ( الفائض اللغوي) الذي تفرضه قصيدة العمود وهو ليس بعيد عن قصيدة النثر واقصد الفائض الذي لايجد الشاعر الذكي مبرراً لوجوده داخل النص النثري.
 ومما تميزت به قصيدة النثر تلك الحركة الارتجاجية التي تحدثها في ذهنية المتلقي من خلال التلاعب باللفظ ضمن دوائر واعية محددة محسوبة تستثير القارئ من حيث لا يشعر، ولا اعني بذلك ( إساءة استعمال اللفظ) كما نراه اليوم عند بعضهم والذي جعل من اللفظ اللاعب الاول في النص بينما أهمل جوانب أخرى ،وهذا ما لا يصمد كثيرا وهو يبتعد عن الثوابت التي بموجبها نطلق على النص شعراً.
والسؤال هنا هل وظّف الناثر السرد في النص النثري وبأي منحىً؟ 
ليس كل ناثر تمكن من توظيف السرد في نصه بطريقة تمزج بين الشعرية والسردية لتكوين الصورة المتماسكة من حيث البنية النحوية والسياقات الدلالية دون تداخل منفّر ، وبعض النصوص النثرية تمكن من خلالها الشاعر بلوغ الهدف من العملية التوظيفية بحيث نطالع بعض النصوص النثرية وكأنها مجموعة بنى سردية متماسكة، وقد توخَّت قصيدة النثر التعامل مع الحياة بمختلف أوجهها، خصوصًا وهي تتولى التعبيرعن الهم الجمعي كمنحى حداثي عربي دخل في حالة تنافس مع قصيدة شعر التفعيلة والسردي كان سمة مرتبطة بالنوع الأدبي الذي نسميه القصة أو الرواية، لكنه غدًا يتحقق في أنواع أدبية أخرى، وخاصة منها الشعر، ولو تعقبنا تاريخ القصيدة العربية القديمة لوجدنا أن هناك مساحات كبيرة من السرد في قصائد لشعراء من عصور مختلفة.
ننقل عن جيرار جينيت عن أفلاطون (إن كل قصيدة هي حكاية لأحداث سابقة أو حالية أو آتية، هذه الحكاية بالمعنى الواسع)  ويمكن أن تتخذ أكثر من شكلٍ؛ وحتى تتحقق سرديتها لابد أن نعترف بأن النص الأدبي الحديث جاء ليتخطى بعض الثوابت، وهو لا يمكن أن يتقلص إلى مجرد معادلة؛ ومن ثم لا يمكن وضعه وضعا نهائيا في فصيلة نوعية محددة، وقد يشترك نص في أكثر من نوع، أو يصعب وضع حدود تضع في نوع معين؛ وبالتالي يظهر مصطلح جديد نطلق عليه ( الشخصية الشعرية) وهي تتحدد بما يمتلكه الشاعر من ثقافة شمولية يحيط من خلالها بتفصيلات دقيقة عن الحدث الشعري الذي ينحو منحىً سردياً وحتى يوفق في ذلك لابد من موسوعيته. 
ولو تعقبنا ما قاله بيتر هون وهو الذي نظر و طبق آليات التحليل السردي في الشعر، و ناقش ان التحليل السردي و علم السرديات يتميز بالشمولية  بحيث يمكن من خلاله تناول جميع أشكال الأدب بما فيها الشعر الغنائي ، و كتابه ( التحليل السردي في الشعر الغنائي ) الصادر عام 2005 وشكل نافذة واسعة بهذا الاتجاه ، و صارت الآن مدرسة قائمة على أساس تتبع التقنيات السردية في الشعر و متخصصة في هذا الشأن ، معتمدة على منهج (السرديات العابرة للاجناس ).
كل ذلك يحيلنا الاعتراف بحقيقة وجود السردية في النص النثري وبتفاوت بين شاعر وآخر وهذا التفاوت سببه ( وعي الشاعر، إحاطته بالتجارب الشعرية، متابعته لأحدث المناهج النقدية، مخيلته الواسعة، لغته السليمة ...).
Reactions
ما صحة سردية قصيدة النثر؟ - كامل الدليمي
الموسوعة العراقية الكبرى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent