recent
أخبار ساخنة

البنیة الزّ مكانیة في روایة (خرابة ميشو) للروائي أسعد الهلالي طالب عمران المعموري

البنیة الزّ مكانیة في روایة (خرابة ميشو) للروائي أسعد الهلالي ".
طالب عمران المعموري

شيد الروائي (أسعد الهلالي ) معمارية  روايته (خرابة ميشو)على عناصر  مهمة  (شخصيات، حوار، احداث، وصف ، رؤية سردية، زمان ،مكان) وهو البناء الذي يعتمد في تأسيس أي عمل روائي .
رواية (خرابة ميشو ) الصادرة من منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين 2020 .
عنونة يتحقق فيها الدلالة المكانية  التي تضيف للرواية قيمة جمالية وفنية ، بما تثير في نفس المتلقي من تشويق ودافع للقراءة . حملت الرواية عنونة فرعية  : 5000( جديدة قد)، خرابة ميشو، زرين ، كربلاء ، المقبرة  فمنها ما يتحقق فيها الدلالة المكانية والزمانية 
 احاول ان قف عند البنى السردية للرواية ، مقتصرا على  البنية الزمكانية في تجربة اسعد الهلالي  في هذه الرواية ، وذلك بالوقوف على تقنیات بناء الزمن التي وظفها الكاتب: كالاستباق، والاسترجاع، وتسریع السرد وتبطيئه، وحذف، وتلخیص، ووصف، ووقفات مشهدیة، وبتجلیة طبیعة الأمكنة التي جعلها عالماً لروایاته، كان مفتوحاً أحیاناً، ومغلقاً في أحایین أخرى. 
وأن العناصر الأخرى التي یتشكل منها العمل الروائي ترتبط بالزمكانیة، فلا یمكن تخیل حدث أو شخصیات أو حوار دون فضاء مكاني وزماني. 
حيث ان عنصر المكان لم يكن مقتصرا في التعبير على الدلالة المكانية فحسب وانما تعدى ذلك الى دلالات اخرى الى الرؤية التي یمتلكها الروائي، ولا یقل عنصر المكان  أهمية عن عنصر الزمان، فهما يتداخلان في العمل الفني ، لانهما لهم دور مهم  كونهما شرطين مهمين تتكامل التجربة الانسانية بهما ، ویصعب الفصل بینهما؛ لذا یمثل الزمان والمكان من المكونات الاساسية في بناء أي عمل  روائي. وبناء على ذلك صاغ الناقد الروسي میخائیل باختین مفهوم (الزمكان)1

والمكان " یعد وعاءً للزمان، بل هو في الأدب إطار لاسترجاع الصور الفنية لزمن الماضي، وهو الإطار للانتقال من أحلام اليقظة إلى الزمن الآتي المرئي بأماكن قد یتفاوت فیها الحزن، والفرح، والدمار، والجمال، ويختلف تجسيد المكان عن تجسيد الزمان، حیث إن المكان یمثل الخلفية التي تقع فیها الأحداث، أما الزمان فتمثل في الأحداث نفسها وفي تطورها "2
تتحرك الشخصيات الروائية عبر ثنائيتي الزمان والمكان؛ فتنتقل عبر الزمان بین الحاضر والماضي، وتُراوح في المكان بین موقع موجود وآخر متخیَّل؛ مما یسهم في خلق أجواء من الصراع في صور متعددة، وصولاً لحالة من التوازن والاستقرار في إطار (زمكاني)، وبأسلوب حر على لسان (ورقة نقدية)  يعمد الروائي الى أنسنه هذه العملة (الراوي العليم) كفاعل سردي يتحدث عن ذاته وعن ذوات فواعل سردية اخرى  وبمفارقة سردية اعطائها قدرات تلباثية التخاطر والاستبصار فوق العادة وبطريقة غرائبية  تتداخل مع الشخصيات وتحللها بطريقة واعية وبأسلوب السرد المباشر وفي بعض الاحيان يستخدم اللغة العامية   ترصد احداثا واناسا وافعالا وتلونا في الشخصيات:3" لا احب ان يسألني أحدكم : كيف أفكر، اتحدث ، ارى أسمع ، وربما أشم، وانا مجرد 5000 دينار ؟.. ورقة نقدية

أ‌- الاسترجاع: تحفل تجربة الهلالي  بتقنية الاسترجاع التي تبث في مقاطع متفرقة داخل نصوصه الروائية، وتشكل حیزاً مهماً فیها. والأحداث التي یسردها في تجربته الروائية، والشخصيات التي یجسدها، كلها تتحرك في زمن محدد یمكن قياسه بالساعات، وبالأیام، وبالشهور، وبالسنين، كما في نصه ص21: 
"استذكر فالح الثقافي وزن كل رزمة من رزم الفئات النقدية التي تحوي كل منها مائة ورقة، شعر بشيء من الانزعاج لأنه لم يجلب معه ميزانه الحساس كي يتأكد بنفسه أن المبلغ الذي سيستلمه من موظفة البنك لم ينقص ورقة.. شعرت بالدهشة حين شاهدت ابتسامة متقشفة ارتسمت على النصف الأيمن من شفتيه.. وجهت أصفاري جميعاً لتخترق مسامات رأسه كي تلتقط ما رسم نصف الابتسامة تلك.... بدا أمامي أصغر بعدة سنوات، وجه مترب لفحته شمس صيف بغداد، ذقن خفيفة غير مشذبه، يرتدي بنطال جينز كالحاً وحذاء رياضياً أبيض مغبراً، وقميصاً بخطوط عمودية زرق وبيض، رسم العرق بقعاً داكنة على القميص، ولا يبدو أن القبعة التي وضعها على رأسه حمته جيداً من لسع سياط شمس تموز الجحيمية، كان يمسك حقيبة قماشية مليئة وهو يستوقف الرجال الذين يمرون قربه بأصوات يختلط فيها الإغواء ، ثقافية.... سيديهات ثقافية.. بالريبة والارتباك بالرغبة.. الواحد بألف دينار ".4 

ویشكل الاسترجاع مفارقة یعود بوساطتها الراوي بقارئ نصه إلى الماضي بالنسبة للحظة الراهنة، والراوي یلجأ عادة إلى الاسترجاع لغایات فنية وجمالية؛ فهو یملأ الفجوات التي یخلفها الحاضر الروائي وراءه، حین یقدم معلومات عن ماضي الشخصيات، أو یستدرك حوادث ماضية، أو یذكّر بحوادث مرت ليكررها، أو یغیر دلالة بعضها، ویطرح تفسيرا جدیداً لها
ویقوم الاسترجاع  في تخليص السرد من الرتابة ، و الكشف عن عمق التطور الحاصل في الحدث، والتنقل في الشخصية بين الماضي والحاضر 
ویعمد الهلالي في  روایته إلى الإكثار من المقاطع الاسترجاعية التي تتداخل فیها الذكريات مع المنولوجات الداخلية لبعض الشخصيات الروائية، لتوضيح بعض الجوانب أو القضايا الغامضة، أو الخفية، من حیاة الشخصيات الروائية، أو طبيعتها النفسية، ولإضاءة عوالمها الداخلية
فتساعد بذلك القارئ على فهم الشخصية، وادراك أبعادها النفسية، والاجتماعية، والفكرية.: كما في نصه :
"بلوكات.. بلوكات من الأوراق النقدية وليست بلوكات الإسمنت التي أنت كفيه وكتفيه كثيراً وهو يحملها مجهداً حين اشتغل في معمل البلوك اللابد خلف السدة على حافة بغداد الشرقية خلال أواسط سنوات الحصار المدمر بعد أن تعرضت تجارة الافلام الجنسية للبوار، كان فالح الثقافي أول المتفاجئين بذلك البوار.."

ب. الاستباق: یقوم الراوي بتقنية  باستباق الحدث الرئيسي في السرد بأحداث أولیة تمهد للآتي، وتومئ للقارئ بالتنبؤ ، والاستباق یُعدُّ تمهيدا یستخدمه الهلالي في تجربته الروائية عن طريق تقديم مقطع سردي، یحمل معلومات عن الشخصية، في محاولة للكشف عما كان مجهولاً للقارئ، وذلك لدفع الأحداث إلى الأمام، عن طريق التلاعب الزمني الحاصل من القفز إلى المستقبل..
والشاهد من الرواية على ذلك الاستباق التمهيدي، ما جاء على لسان الراوي،(فئة خمسة الاف دينار) الذي نقلنا إلى زمان آخر ومكان آخر، ينطلق من رسم شخصية فالح الثقافي والتحول والانتقال من بائع سيديات لأفلام ثقافية  في الباب الشرقي في فترة الحصار الذي انتقل بعد 2003 الى مكتب ابن عمه الوزير، فصار مدير الصفقات والعقود المشبوهة وصولا الى مدينة تبليسي الجورجية، التي اختارها محطة اخيرة ينعم فيها  كما في نصه ص30  :
"لقد هيأ مشروعه السياحي الكبير في (تبليسي) وما عليه  سوى أن يذهب إلى هناك بالمال.. سبعون مليون دولار ستجعله يعيش ملكا لما بقي من عمره.. بيت فاره ومشروع ضخم سيحلبه  دونما توقف كضرع بقرة يافعة.. ونساء .. نساء.. جميلات كالدمى  سيدفئن حياته كجواري شهريار.. ليشطب دونما رحمة علـى صفحات سنواته الخمسين المرهقة التي استولت على أغلبها جدران  القطاع 67 في مدينة الثورة أو صدام أو الصدر.. لا فرق.. إذ لم تختلف جدرانها باختلاف هذه الاسماء بل ربما ازدادت بؤسا مع كل قادم راهن على كسب ود الفقراء الذين استوطنوا هذه البقعة البائسة فمنحها اسمه.. مكتفياً بذلك عن كل ما من شأنه أن ينتقل  بالناس إلى حياة أفضل ولو قليلاً، مدينة تحوي اليوم أكثر من أربعة ملاين شخص.. "

وصف الهلالي الأمكنة  والمشاهد، حيث نرى أن المصرف (المكان الرحمي) لولادة الراوي صُوّر بأنه (قفص وحبس). 
یعمد إلى تحويل (الخزانة) إلى مكان خواء، صورة قاتمة تبعث على الخوف والقلق لأن (فئة 5000 دينار جديدة) التي حصلت على تلك القدرة الرادارية البلوتوثية العجيبة على الرؤية والمعرفة والحضور في الحاضر والماضي .. تنظر إلى المكان بعد أن أصبح وحیداً فیه.
یُعدُّ المكان المغلق المحدد المساحة ، وقد شبه الهلالي هذه الأماكن بالسجن ، نقطة انتقال من العزلة  إلى الحرية ، على النحو الذي جاء في نصه ص10:
"ولدت قبل قليل، أرى ذلك بوضوح، فجأة، أستيقظ سباتي على صوت صرير معدني، باب ضخمة لم أكن قد رأيتها من قبل، رغم انها كانت قربي تماماً، هل كنت نائمة أم مغيبة؟.. قضيت فترة طويلة خلفها وأنا غائصة في عتمة كقاع بحر، ما البحر؟... هل تشابه عتمة قاعه الظلمة الكثيفة للخزانة المعدنية جعله أول صورة تلوح أمام الأصفار المتناثرة في
زواياي؟.. البحر... مريض أزلي لم يمتلك يوماً قدرته على أن ينهض من استلقائه ليقول ولو مرة واحدة، ها أنذا، إنه يزمجر، يهدر، لكنه رغم كل شيء سيظل مريضاً، مضطجعاً على فراشه الأزرق الكبير، محاصراً بين مدن مضيئة، ملونة، تسخر من عتمته القاسية .."
وفي الروایة  جاء وصف بيت (ميشو) احد الشخصيات " كان في التاسعة من عمره لا يعرف من الدنيا سوى بيته ومدرسته"،  الذي تحول الى  (خرابة )وركام بفعل سيارة مفخخة "ارهابي وضعها بالشارع الفرعي " تذكر أن سيارة بيضاء مغلقة أخذت جثث أفراد أسرته وتركوه وحيداً في اطلال المنزل المهدم .. لم يسأل عليه أحد .. ولم ينتبه لوجوده أي شخص.. وهو ميشو .. كان يرى الوجوه جميعاً غريبة ، بحث بينها عن وجهٍ يسأله:
وآني وين أروح؟..."
یكشف الحالة الشعورية للشخصية وهو يحاول ان يتأقلم  مع المكان .." يدخل الخرابة ، يخفي جسده تحت السلم  ويستسلم الى بكاء حامض "
يصف لنا  المكان  والحالة المأساوية  " انّه باختصار(الخرابة )، مضى عام على خرابة وسط انقاض بيته المهجور، الا من ضيوف الليالي الكئيبة ، ضيوف لم يخترهم لكنه رضي بوجودهم فالظلمة ، قدره ، رفيق لياليه  منذ عام ، لم تفقد طزاجة رعبها حتى بعد ان أنهى ميشو عامه العاشر ، فكر كثيراً لكنه لم يصل الى نتيجة ، هل سيمضي أعوامه المقبلة جميعاً في الخرابة؟"
وكما نلاحظ، فإن علاقة الشخصية بالمكان علاقة وطيدة، والارتباط كبیر بینهما، یعود الهلالي هنا إلى ربط الشخصية بالمكان الرحمي، بالملجأ الآمن، والملاذ للشخصيات المأساوية استغلهم المفسدون ، فصارت تلك الخرابة وطناً لهم،  يصور شريحة من شرائح المجتمـع العراقي ، اضفى عليها المشهدية الفنية استنادا الى الصورة السينيمائية في التعامل مع الزمان والمكان والشخصيات ، التي واجـهت ظـروف ما بعد 2003 وويلاتهـا وقسوة الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية. 
  الوقوف على أبعاد وصف الشخصيات في رواية خرابة ميشو، و علاقة ذلك بالزّمكانیة یحتاج إلى بحث خاص ومستفيض، نظراً لكثرتها وتعدد جوانبها، ولعل ذلك عائد إلى أن الروائي ركز على علاقة الشخصية بالمكان، و على دورها في بناء الحدث.
 فالشخصيات المرتبطة في المكان، خرابة ميشو : 
(عمو جلاّوي)،(هندازة)، (آوس)،(الشعنونة)، (زكي كبسلة)، (سرمد)
-الشوارع:  هي من الأماكن المفتوحة للشخصیات المتواجدة فیها، فالشارع أحد الملاذات للشخصیات الروائیة، ، فقد جاء في نصه ص182:
"نسمةٌ اخرى أبعدتني حتى حافة الرصيف ،شعرت بالخوف من النسمات التي صارت تطوّحُ بي يميناً وشمالا، كان الشارع هادئا، وبعض المارة ينقلون خطاهم على الارصفة ، رغم ان الدكاكين لم تفتح حتى ما بعد ظهيرة ذلك اليوم الكريه ، قدمان عاريتان جميلتان اقتربا مني ، نظرت أصفاري حتى المغطاة بدم ميشو.."
الحدائق العامة: شخصيات مأساوية للشعراء صعاليك "لا يعرفون مكانا سوى حديقة الامة فيها ينامون ويجلسون ويتناولون طعامهم وخلف أشجارها يتبولون ولا يشغلهم ع قراءة الكتب أو الشعر شاغل" ص105  :
"اقترب من الرجال الثلاثة منصتاً باهتمام، كان حسن قادماً من كربلاء، وعدي من الحويجة، ودنخا من كركوك، لا يعرفون مكاناً سوى حديقة الأمة، فيها ينامون ويجلسون ويتناولون طعامهم وخلف أشجارها يبولون، ولا يشغلهم عن  قراءة الكتب أو الشعر شاغل، قال دنخا :
 تعلمت أن أكون أنا، وأن أترك للواقع، أن يتكفل ما فسد...
ثم صرخ بصوت مترنح:
- أولاد القحبة، ضيعوا حياتنا..
قال عدي بصوت متهدج تطغي عليه لكنة حويجية:
 - نحن لا نعيش الحياة المخصصة لنا، لابد أن لنا حياة أخرى مختلفة، ليست هذه ما صنعنا لأجلها: 
ثم خرجت صرخته مترنحة باكية:
الموت... غياب الذاكرة ياحسن... 

google-playkhamsatmostaqltradent