recent
أخبار ساخنة

تقانة {التسطير} و {التنقيط} في المدوَّنات الشعريَّة


مالك مسلماوي 
 
من الأمور المنسية او المهملة في الفحص النقدي هو الكيفية النهائية التي يخرج بها النص الشعري على الورقة وفقا للضوابط اللغوية، فكل نص هو صوت بالأصل، والصوت طاقة تتحول الى مادة في عملية الكتابة، اذ الكتابة نتيجة تحول المسموع الى المنظور ضمن قواعد علمية {نحوية/ صرفية/ املائية}، لا بد أن يسعى الكاتب /الشاعر الى الاحاطة بها على
قدر مقبول.
والتسطير هو الكتابة، فالكتابة كلام مسطر على الورق، وتسطير العبارة تأليفها، وسطّر الكتاب كتبه حسب معاجم اللغة العربية، وللنص الشعري الحديث حرية في اتخاذ صيغ مختلفة في شكل الكتابة
الشعرية. 
والسؤال هو: هل هناك حدود لهذه الحرية تفرضها اللغة على نفسها من النواحي الدلالية والنحوية والايقاعية؟، أقول: نعم، لذا وصفت كيفية التسطير بـ {التقانة}، بمعنى لا بد من وجود آليات ضمن نظام تسوّغه النواحي المشار اليها سلفا، بخاصة في قصيدة النثر والومضة الشعرية وشعر التفعيلة، وبطبيعة الحال لا يشمل ذلك العمود الشعري بنظامه المحدد {نظام الشطرين} الثابت، لكن ربما يُضرب هذا النظام فتُكتب القصيدة العمودية على شكل قصيدة التفعيلة بتوزيع التفعيلات والجمل كما يفعل البعض من الشعراء الآن، ولا حيف في ذلك كما أرى. ومن جهة ثانية نجد قصيدة العمود لا شأن لها بالتنقيط وعلاماته، واظن وضوحها وسلاستها وكونها شفاهية/ سمعية يغنيانها عن المكملات
الكتابية.
وتلحق بتقانة التسطير تقانة أخرى مهمة في إنضاج الجانب الدلالي، فلا يمكن استعمالها بشكل ارتجالي كما هو حاصل في الكثير من المدونات الشعرية، تلك هي تقانة {التنقيط}، وفي التنقيط تعتمد آلية استعمال {علامات الترقيم} التي هي مطلب ضروري في الكتابة بشكل عام، أما في الشعر فهي تساعد القارئ في فهم القول واستيعاب محمولاته المعنوية ودلالاته الخفيّة، ومعظم الشعراء لا يعيرونها الاهتمام المطلوب، ومنهم من يستعملها بشكل تنقصه الدقة، ولا يعطيها حقها إلا ذوو الدراية والخبرة والاختصاص، لكن وجودها يصل الى درجة الضرورة في حالات معينة، ولا يعني ذلك غير أن على الشاعر أن يلجأ الى {العلامة} عندما يشكل غيابها لبسا او خللا بنيويا. وواقع الحال هنالك الكثير من العشوائية والعفوية في التسطير والتنقيط، الأمر الذي قد يربك النص في مستوياته الدلالية والايقاعية.
   ولضيق الوقت سألجأ الى بعض التطبيقات كنماذج تفيد في ايضاح ما تم التطرق اليه، وفضّلت عدم ذكر اسماء الشعراء والشواعر لأنّ الهدف الاول هو الايضاح وليس المدح او القدح.. 
 
الأنموذج الاول:
{أصيحُ هذا وريد الكلام،/ هذا دمه/ فيهرع الفتية من عناق حبيباتهم الى الله،/ ثم الى صورهم في رؤوس الشوارع،/ وأفعل أشياء أخرى./ ربما أرقص بنية صلاة،/ او أطير كقبر ام يصلي السحاب بدمها.}انتهى.
أجاد الشاعر تسطير النص، وراعى الجانب الايقاعي وحرص على تشكيل الكلمات بالحركات الضرورية.. ولو كنت من كتب النص لأوردت المطلع كما يلي:
اصيحُ:
هذا وريد الكلام. ..... الى اخره. فالاقتصار على {اصيح} في السطر الاول، اكثر اثارة للمتلقي والسكتة الحاصلة قبل الانتقال الى السطر الثاني توفر فرصة للمتلقي للترقب فالتقطيع والتوزيع يهيئ الايقاع المناسب للنص.. ومن جهة التنقيط نجد ان الشاعر اهتم بعلامتي الترقيم {الفاصلة والنقطة} وأهمل علامة القول {النقطتين}
بعد {أصيح}.
 
الأنموذج الثاني:
{كيف...،/ أنشر الخديعة...!؟،/على حبل غسيل...،/ وقمصانها...،/ مازالت...؟،/ تتنفّس شهوة...،}.
الشاعر هنا يربك نصه بالتوزيع العشوائي، بتفكيك الجمل، وإغراق النص بالنقاط والفواصل في غير محلها. اما علامة الاستفهام والتعجب فحقهما ان تكونا في نهاية السؤال بعد {تتنفّس شهوة}.
 
الأنموذج الثالث:
{رأيت/ لكنني لم أكن أريد أن أرى/ ريحا تراوغني/ ببوح انشطار يمضغ المسارب/ ثم يتمرأى/ أمام/ شرفات/ تنوح مع نشوة موج/ يتأرجح لاهيا بالخراب/ يعبئ أدخنة../ بوشمة../ طيران/ يتشظى صغيرا/ يصك آذان/ منائر/ ثكلى.}.
 الشاعر فصل بين المضاف والمضاف اليه {امام شرفات} بلا مسوغ، كذلك الفصل بين {بوشمة.. طيران} وأقحم نقاط حذف ايضا!، ثم فعلها بالفصل غير المسوغ بين المضاف والمضاف اليه مرة أخرى وبين الصفة والموصوف: في {يصك آذان منائر ثكلى}.
 
الأنموذج الرابع:
{هنا في الحديقة تنمو الحشائش/ تنمو البنادق والذكريات أقول لنخلتنا من بعيد/ أ يا أم هل في الحديقة ظل/ لتشرق في وجنتي البلاد وتخضر في شفتي الأغاني..}
كان الأولى ان يفصل بين بين الجملتين {تنمو... وأقول...} في السطر الثاني، ويجعل جملة {أقول..} في سطر لاحق، لانفصالهما موضوعيا، ولمراعاة الايقاع وما يسحبه من دلالة. وربما نسي الشاعر علامة {:} بعد {اقول لنخلتنا من بعيد}، كما نسي وضع علامة السؤال (؟) بعد نهاية الجملة الاستفهامية.
 
الأنموذج الخامس:
{أما أنا فقد خلعت قميصي:/ آخر الحكاية../ ولوحت براحتين ترابيتين../ لزمرة من الهميان:/ انبهرت لتوازنهم طيلة ألف مضين../ فوق حقوي العاريين./ كانت الفزاعة نائمة في:/ جناح الغراب الميت..}.
في هذا الأنموذج نرى مبالغة في تشكيل الكلمة بحيث يجد القارئ الحركات الصرفية على كل حرف {لم تدرج هنا كما وردت} فضلا عن الحركات النحوية.. واعطاء النص شكلا تراثيا، ولا أجد فيه ضرورة. أما في التنقيط فقد اُسيء للنص، اذ نجد كل الجمل تنتهي اما بفارزة منقوطة او بنقطتين متجاورتين {علامة حذف}كما في الأنموذج، ولو سألنا الشاعر عن مسوغ ذلك لما وجدنا جوابا مقنعا، وربما لا جواب!، اما ما يخص فنية التسطير فنرى الفصل بين الجار والمجرور {في/ جناح} جاء لخلق ايقاع مغاير.. وفي ما يأتي سنعمد الى تنويع مقترح في شكل النص هذا لفتح الصورة على أكثر من وجه ونترك للقارئ الاختيار:
1 - أما أنا/ فقد خلعت قميصي/ آخر الحكاية/ ولوحت براحتين/ ترابيتين ...
2 - انبهرت لتوازنهم/ طيلة ألف مضين ..
3 - كانت الفزاعة نائمة/ في جناح الغراب الميت
4 - كانت الفزاعة/ نائمة في/ جناح الغراب الميت 
5 - أما أنا فقد خلعت قميصي آخر الحكاية، ولوحت براحتين ترابيتين لزمرة من الهميان.. انبهرت لتوازنهم طيلة الف مضين فوق حقوي العاريين.. كانت الفزاعة نائمة في جناح الغراب الميت.

google-playkhamsatmostaqltradent