recent
أخبار ساخنة

كتاب الحياة ... حبيب السامر

مقالي في صحيفة الصباح
محبتي واعتزازي
كتاب الحياة
حبيب السامر
قد تثير فكرة الكتابة وتنوعاتها المعرفية جمهرة واسعة من المهتمين بهذه الحرفة، التي سرعان ما تتخذ مع الوقت شكلا آخر، ربما تتحول الى صنعة دائمة، مع تنامي شهرة الكاتب وسعة حضوره.
في أحايين كثيرة هناك سؤال يُطرح ويتكرر في محافل أدبية ومجتمعية دائما.. ما الذي يدفعك إلى الكتابة؟ ولماذا اخترت هذا اللون والنمط حصرا؟.. تتشعب الأسئلة وتتجاور الإجابات وتقترب من بعضها وتبتعد حتما، كل ينظر الى موهبته بعينه المجهرية ، يجدها تلبي حاجاته، تترجم ذاته وتعكس مرايا روحه المشعة على المجتمع.
في إجابات متنوعة ، متضاربة، متقاربة لأدباء وكتاب بارزين، مهمين ولهم سطوة الحضور في دواخلنا، وكتبهم تزين مكتباتنا، هناك من يقول :" أكتب لأني لا أملك أن أعمل عملاً آخر"، وآخر يؤكد " أكتب حتى أفهم سر اندفاعي إلى الكتابة، وهناك من يعد – الكتابة- مساحة خضراء ،يجد ذاته متجولا فيها يلتقط أنفاسه النقية من صفاء سمائها، ومن يعتقد " أمارس الأدب لكي أغير حياتي وبيئتي وعالمي الفكري".. حقا، هناك الكثيرون لو استعرضنا أقوالهم ومقتطفات مما دونوا في مذكراتهم وإجاباتهم الصحفية في لقاءات كثيرة.
لكننا وببساطة القول نرى أننا نمارس طقس الكتابة حين نجد أنفسنا مدفوعين بحواس خفية الى ملامسة عذرية الورقة ومحاولة رسم بعض الحروف التي سرعان ما تنمو، وتتكاثر عليها آلاف الحروف المتراصفة لتخلف كلمات متناسقة تتحدث عن موضوع أو حكاية وأحيانا نجدها مكتوبة، متناغمة مع موضوعات في دواخلنا..
هناك هاجس ننصت إليه وهو يردد ، فكّر أن تكتب ، حاول أن تكتب، لاتدع نفسك محكوما بطقس معين وتتحجج بأعذار متعددة كي تركن الورقة دون أن تلامس عطرك.. مارس حياة الكتابة بشكل يومي لتنتج المعنى ، فكر جيدا أنك تكتب جملة مقنعة للمتلقي كي يقتنع بما تفكر أو تدون في حيز الورق، ثم اطلق العنان لأفكارك كي ترسمها في مخيلة القارئ ، حتما سيكون مقياس حسن النية أو خلافها من خلال ما تكتبه أنت في متاهات عيون القارئ، وهو يطابق ما يقرأه، وبين ما مرسوم في مخيلته، وبالنتيجة سيصل الى قناعاته التي قد تبدو تتلامس معك ومع أفكارك، أو في اختلاف مع ما تدونه ..محاولة الجملة القصيرة حتما ستقودك الى تراكيب مختلفة لتُكوّن بعد ذلك جملاً طويلة .. ثم ضف عليه تجربتك وممارساتك اليومية التي هي خير مادة لتجربتك الاإبداعية، خميرة القراءة ستكون ظاهرة دون علمك ، هل تراقب خطواتك في الكتابة بهدوء وصمت؟ وسط التماعات الأفكار المتعددة تنصت الى جوهر الأشياء، تبحث عن مسوغات تتنوع وفق ظروفها ومحيطها وكائناتها وستجد ما تؤول إليه من جماليات تدوين الكلمة.. التفاصيل الصغيرة تقودك الى عوالم أكبر.. في نسج المخيلة، وهي تخرج من قارورة الحياة بانسيابية عالية مثل موسيقى الروح وهرمون الجمال، قد تسمع، وأنت في هدوءك المريب وشوشات تقترب من الورقة لتحاكي خلاصات العالم، وهي تستعين بكلمات أخرى، ستدخل في قبو النص ، وحين يكتمل، سيتسرب الضوء من كوة صغيرة لتنطلق الكلمات الحبيسة وهي تطل من فسحة صغيرة تصل يد المتلقي وعيونه، تحاول أن تحل لغزاً محيراً، ملتبساً في قوانين غير مفهومة، مع ضرورة مراقبة النفس وما تدونه الأصابع من كلمات، سنجد ملاذنا في التدوين وطرح الافكار والكتابة ، أحيانا نجدها مخَلِصاً لنوازعنا ومخاضاتنا، مع مراعاة العفوية والطبيعية في الكتابة، وكما يشير الروائي البريطاني وكاتب أدب الرحلات لورنس داريل "أكتب لأراقب ذاتي."
هكذا نستدعي صور الأشياء وهي تكتفي بهمسة واحدة لتصافح العالم وتوطد علاقتنا به، وننطلق نحو مجرات الأدب بلمسة العارف وهي تمسح عن وجه الورقة بياضها لتنبت أزهار الكلمات متناغمة مع هبوبها واستراحتها وهي تتكئ على سيقان أشجار الحدائق، لتنتج كتاب الحياة.



google-playkhamsatmostaqltradent