recent
أخبار ساخنة

( و أصفف الموت في أهدابي ) .. جهة الرأس !جمال جاسم أمين

( و أصفف الموت في أهدابي ) .. جهة الرأس !
جمال جاسم أمين 

يجدر بنا أن ننتبه لسياق العنونة التي توحي و كأنها تتمة لكلام ما ( و أصفف الموت في أهدابي ) حيث يربكنا الشاعر ( انمار كامل حسين ) بدءا من مفتتح المدونة الشعرية التي يتقدم بها محتجا على كل شيء ، إذ تظهر ( الواو ) في ( و أصفف .. ) نوعا من العطف اللغوي على معطوف ينبغي أن نتحمل مشقة تأويله قبل الدخول الى غابة النصوص الشائكة و التي يلزمنا أكثر من مشقة و نحن نتجول ببصيرتنا لا ببصرنا في أزقتها الشعرية و خبايا دلالتها الوجودية التي تتعدى التجويد البلاغي المتعارف و شعرية التضاد و المفارقة التي شاعت في قصيدة النثر الى تقانات لا شكلانية بل حميمة و ذات صلة بالاسئلة الوجودية الكبرى التي تطرأ على لائحة إهتمام الانسان وهو قعر سهوه المزمن ! سهوه الضروري للاستمرار في عالم لا يقدم أجوبة كافيه عما يدور حوله .. نقف هنا وجها لوجه مع سؤال الأجيال الشعرية في العراق ، أي بعد أن انتهى التجييل العقدي للظواهر الشعرية منذ ستينات القرن الماضي و ختاما بتسعيناته كيف ننظر للقادم من الأجيال ؟ خاصة أجيال ما بعد التغيير في عراق الحرية التي إنحدرت الى الفوضى فحرضت أسئلة الوجود عبر الفن أو النص لكن ليس بطريقة توحي بالايدلوجيا بل هي أسئلة الأنسان لا غير .
هل ثمة ملامح إسلوبية جديدة ؟ و هنا ينبغي الإنتباه الى ما يتكرر من ملامح فنية يشترك بها الجميع إذ ينبغي تمييزها عما ندعوه ( ملمحا اسلوبيا ) يختص به الشاعر دون سواه ربما يظهر من خلال قاموسه الشخصي في اللغة العامة التي يكتب بها ..و هنا نأخد عيّنة من النصوص بقصد إظهار عناية الشاعر بمفردة ما .. في الاهداء أولا :
الى رأسي مرة أخرى 
علّه يكف عن هذا الهراء و يستكين .
نشدد هنا على مفردة ( رأسي ) التي ستظهر مجددا في أول نص من المجموعة و في أكثر من موضع متقارب بالطبع :
ذات حقل شاسع 
و أنا أسير في جوف راسي 
.................
تجرّ الاسئلة قبل نفاد صبرها 
من نفخ الهواء في رأسي ؟
و قذفه كبالونة 
خارجة عن المالوف
هذا التراشق بمفردة ( رأس ) و في مواضع متقاربة بدءا من الأهداء الى النص الاول في الكتاب ( ولادة خاسرة جدا ) يظهر لنا أن ( الرأس ) جهة الشاعر الأثيرة ، يهب اليها دون وعي ، بوصلته أدمنت اشارتها و خيوله تصهل نحوها .. ولا يخفي الشاعر تذمره من ولادة ( خاسرة ) ، وجود هائل الإحباط ، بدرجة العدم الذي لا يستحق أن يعاش .. ها نحن أمام سمات مضمونية سنجد تقرحاتها بارزة على ( جلد ) النصوص و أسطحها الخارجية :
ابي الذي لم يكتف بالتقبيل وحده
أيّ غريزة حمقاء 
قذفتني الى هنا
اعيدوني ثانية
اعيدوني
هذا النداء ( أعيدوني ) يتكرر بصيغ شتى في مواضع أخر تحمل نبرة الإحتجاج نفسه كما تحمل اشارات اخرى لجهة الشاعر الأثيرة : رأسه ..
عليّ أراك تندلقين في راسي 
او يتوارى ..
ذكرك النازي في عطش الحقول 
.....................
ما زال سيزيف 
يدحرج صخرته الثقيلة في راسي 
...................
تتشبث بالغرق فكرة 
تدور في راس المرسى
.....................
وما من عشيقة في الضفة الاخرى 
تدور في راس الربان 
بالطبع ليس المهم هنا إحصاء مفردة بعينها وكما لحظنا تردد مفردة ( رأس ) و تعاقبها المتقارب في النصوص بل المهم إشعاعها الدلالي الذي يسهم في إيضاح مضامين الشاعر المركزية ، حياته المكتظة مللا و لا جدوى حد التصور بأن صخرة سيزيف ، أيقونة اللاجدوى ، تتدحرج في ( رأسه ) ..هذه قراءة ينبغي أن تطول في مدونة الشاعر ( أنمار كامل حسين ) التي عنونها ( و أصفف الموت في أهدابي ) مشيرا من خلالها الى متواليات تدليل لا تذهب بعيدا عن تورط الحياة برمتها في فخ الموت ! أتمنى أن نمعن في قرائتها ...
......................................
واصفف الموت في أهدابي / دار الصواف / 2020
google-playkhamsatmostaqltradent