recent
أخبار ساخنة

النقد والطغيان الفكري... كامل الدليمي

النقد والطغيان الفكري
أفرزت التجمعات النقدية العربية نوعا من التكتل وتغليب جهة على أخرى والترويج لمبدع على حساب الآخر ، ومن جهة أخرى نظرت للنقد بكونه (عرّاب) الأجناس الأدبية فهو فوق الشعر وفوق الرواية والقصة ... والناقد فوق منشئ النص الإبداعي وهذه الرؤية سائدة حتى يومنا هذا وتحتاج لمعالجة موضوعية.
وعلى المستوى الشخصي عرفت (أشباه نقاد) يتمتعون بنرجسية عالية ويتعالون على منتج النص على طريقة( القاضي والمتهم) فحين ينجزون ورقة نقدية كأنها قرار القضاء وهي لا تعدو وجهة نظر لم يفكر المبدع سلفا بها أو يحسب لها حساب. 
هذه الظاهرة هي التي أفرزت تكتلات، وأصبح كل تكتل يضخم أعمال ما ينتمي إليه ويحقر الأخر متجاوزين مبدأ النسبية الذي انطلقوا منه، حتى إذا ما ساد تكتل ألغى بقية المشارب الأخرى، كما نشاهده الآن في الساحة الأدبية العربية، مما دفع ببعض المنصفين من المنظرين إلى الخوف من الإيغال في ذلك، والحكمة النقدية تقول أن إحالة النص الابداعي الى المتلقي خير من ايداعه للناقد فحكم المتلقي وخصوصا اذا كان يتمتع بالوعي هو اسلم من احكام يطلقها ناقد غير منصف أو متحيز. 
ولا أشك طرفة عين أن من يبعث الحياة في النص ويمنحه الأهمية هو القاريء له أولاً وهذا ليس زعما بل هو حقيقة نتلمسها من خلال الآراء الجمعية للمتلقين وعلى سبيل المثال : كانت ولم تزل نصوص (نزار قباني وأحمد مطر) تنبض بالحياة عند القراء خصوصا تلك النصوص الساخرة من الأنظمة السياسية العربية وهي تحاكي (هموم الناس) وقد شعر المتلقي باهمية النص قبل الناقد وقد صنع كل من الشاعرين (فضاء القبول) بأنفسهم دون أن يروج لاعمالهما ناقد ما.
    إن هذه الإشكالية أفرزت نوعاً مخيفاً من الطغيان الفكري جعل الكثير من المبدعين يكتبون في ظل الخوف من الدراسة النقدية، وبالتالي يكتب ويعدل فيما يكتبه ليسترضي الناقد من هنا اقول والخطاب للناقد اضيء النص أو اتركهما أو على الأقل لا تهاجم كاتبه، لذا نجد ما يكتب في الساحة متشابها، ونتساءل لماذا هذا التشابه فيكون الجواب ما قلته سابقا. هذا من ناحية والناحية الأخرى أشد مرارة، وقلما نجد من يقول بغير ذلك.
 وهنا يجدر طرح سؤال: لماذا يعتري الشاعر الخوف حين يحضر محفلا شعريا أو الروائي أو القاص حين يعرض منتجه ؟ وهل أن الاندفاع لانفاذ المنتج الادبي من خلال طباعته هو بنفس القوة قبل عقدين أو ثلاثة عقود ؟
والجواب بالتأكيد بالنفي لاعتبارات في مخيلة المبدع اولها أن الساحة خلت من المهتمين والقراء بفضل التطور التكنلوجي وتعدد أساليب إيصال المنتج للمتلقي أولا والأمر الآخر هو الخوف من مقصلة النقد التي ما عاد يهمها نوع العمل قدر تعلق الأمر بأسماء معينة تحقق للناقد شهرة كما نجد ذلك عند طبقة (نقاد كبار المسؤولين ) كنقاد الوزراء والمدراء العامين ورؤساء تحرير الصحف والمجلات ... وهذا يفضي بنا الى الاعتراف بحقيقتين : 
1- جبن منتج النص وتردده من طباعة نتاجه لأسباب مختلفة منها عدم الثقة بما أنتجه وخشيته الكبيرة من النقد الذي سيظهر مثالب النص خصوصا اذا ما تناول منتجه ناقد متكبر على النص ومنتجه.
2- الشعور بعدم الجدوى لوجود الكم الهائل من المنتجات التي تطبع وتموت على رفوف المكتبات العربية لما اصاب الحركة الثقافية العربية من ترهل خلط الاوراق لدى المتلقي العربي وصعّب عملية الفرز بين الجيد والرديء.
  ولعل من الاخطاء التي تسبب في شيوعها النقاد ان المنتج الابداعي يكتب للناقد وليس للجمهورتحت شعار ( أنا اكتب للطبقة المثقفة) وهنا تظهر حقيقة أكثر مرارة أن من يكتب للطيقة المثقفة كما يعتقد ويتجاهل الهم الجمعي للانسان لن يفلح وأن كتب بعمرين متتاليين لان الادب من مهامه التخفيف عن الانسان من خلال اشاعة الجمال وبث الحكمة وتوجيه الذائقة وليس من جدوى أن يكتب المثقف لنفسه. حتى النظريات الفلسفية التي لا تحقق النجاح في الحياة العامة تسقط فوراً مهما كانت متميزة في نظر مبدعيها ومهما كانت مثاليتها.
هذا الكلام ليس جديداً بل إن العلاقة بين الكاتب والقارئ اخذت جانبا كبيرا من اهتمامات الدكتور طه حسين فهو يرى أنه لا ينبغي أن نشغل أنفسنا بفلسفة التشريع للأدب وحسبنا من الأديب أن ينتج ما نقرؤه فنجد في قراءته هذه اللذة الفنية (ينظر طه حسين) ... وكذلك كان ينظر الأستاذ العقاد أيضا ذات النظرة ... 
يقول الدكتور حمادي صمود في كتابه «في نظرية الأدب عند العرب» في مجمل كلامه عن علماء الأسلوب في النقد: ... وكالجري وراء حقيقة سرمدية يتضمنها النص يعد النقاد العدة للفوز بها دون غيرهم، ويكلفون أنفسهم ما لا طاقة لها به .. وكم كان منصفا الدكتور يوسف العارف في كتابه أوراق الربيع حيث يقول:(( أما القراءة الواعية أي أن تؤول القراءة إلى ممارسة نقدية فإنها تعني خروجنا كقراء إلى النصوص والتفاعل معها ... وابتعادنا عن النقد البيروقراطي))ينظر (اوراق الربيع).
كل ذلك يثبت لنا سمة التكبر والنرجسية العالية التي يتمتع بها نقاد العصر وكأن بأيديهم مفاتيح نجاح المبدع.
google-playkhamsatmostaqltradent