recent
أخبار ساخنة

المشط الفضي/أبتهال بليبل

المشط الفضيّ


ابتهال بليبل 

أنا.. كلّ هذا الغياب الهاطل  
يد تتخشّبُ هناك.. أو هنا.. هي منسيّة فحسب
لأجل تلويحة عابرة.. تجمّدت كقرط ذهبي على شكل كفّ 
في أذن لم تعد تُمعن في صوتك المرتعش.. كنجمةٍ 
مطفأة في عتمة سديم مجهول.. كإشارة ضوئية معطوبة في مدينة 
محاصرة.. كظلال شعر مَنْكُوش في يوم عاصف.
أنا كلّ هذا الغياب الوارف.

ماذا لو أن كلّ ما تفعله الآن هو الوقوف 
وحيداً بينما السيارات المسرعة تمرّ غير عابئة في تقاطعات 
شوارع بأسماء مدن بعيدة؟
ماذا لو أنك تتوق فحسب للجلوس في أقصى المقهى الرخيص ترتشف 
شاي المواعيد المؤجلة.. ساهية نظراتك تتقلّب في هواء الخذلان؟

تكادُ الهزائم الوعرة.. الهزائم التي تتفرّع كأسنان مشط عاجي 
أن تلمسَك، وهي تعبر خصلات شعري
لترفع الذكرى تلوَ الذكرى أمام المرايا التي أراك فيها.
كنتُ على وشك توطيد علاقتي بها
لولا أنني تركت شعري  
أهملته بعض الوقت.. إذ نسيت المشط الفضيّ.. كما نسيتك. 

فبدت أسنانه كالأشواك، عظام برمائيات أو زواحف منقرضة
إبر جراحية، مهملة أو
غارقة بمطهرات طبية.
 تعلّقت.. هناك بمشاهد هاربة من رأس مخدّر
مشاهد خفيفة ترتاح على السقف. على هيئة بالونات 
تسحب الشريط البنفسجي من خصلات شعري نحو بخار الرؤيا.
أنا كلّ هذا الغياب المعترش.
حين أنظر ليدي اليسرى 
أبصرُ: شيئاً يشبه الشارع 
المزدحم، خلفه.. حافة رصيف لامع بشمس لا أراها 
ثمة علامة استرشادية تبرق، مقهى مكتظ 
يصعد في السماء كالمدّ.. يصعد في رأسي  
إذ يموت صوتك.. بينما أنا في انتظار 
طويل أكفُّ عن التنفس كي أسمع 
صداك في الهواء يتحرك 
بإيقاعية التلويح. 
 وجهك يتعلّب في مرآة حقيبتي الفاترة.
لقد فقدت المشط... وفقدتك  
في اليوم الذي تلا عبوري للشارع المزدحم.

من الصعب عليّ أنْ أقول (أين) كما يجب.
 لقد تقمصتُ 
دائماً دورَ مصاب بالصداع، فكنتُ أعصبُ 
رأسي وأدّعي الشعور بالألم عند لمس 
شعري.. لألملمه من دون أن أتساءل: ترى كيف سأبدو 
بخصلاته المتشابكة.. تضيع عالقة في أماكن 
بعيدة بما يكفي لأنسى يدي.. يدك، هي أيضاً، عالقة 
ومُتشابكة أصابعها بالهواء هناك.. حيث يدي 
اليسرى.. والشارع والرصيف 
اللامع بشمس لا أراها.

من الصعب أنْ أقول
كم أنا بعيدة أو مائلة قريبة
تأثير الوداع: على الضوء غشاوة تفسد 
مزاج التي نتركها وحيدة 
أمام خيال مجفف الشعر الهوائي 

في الواقع: كان الهواء ساخناً، كئيباً 
وعنيفاً.. كأنك في مهبّ محرك 
حراري، مضطر لتعديل إعداداته الإلكترونية
غير أننا –كما سمعتُ سابقاً– نفقد السيطرة على أصابعنا 
عادة في الكوابيس الطويلة..
لم أشمت بالنوم –لحظة- بعد رحيل الكابوس.. فالكوابيس 
تأتي دوماً ولا نسأل من أين.. ولا شيء يحميني من الاختناق. 
لكن ماذا تعمل يد لا تَجرؤ على إبعاد وصيتك التي في عنقي؟
عظام مشط اليد بلا فائدة.. إنها حتى لا تصلح للتلويح مرة أخرى.

وأنا.. لستُ أفضل من خصلة شعر معطرة 
سقطت في شارع أمام المقهى.
فهي -أفضل مني ومنك- تملك ضياعها الكامل.

أنت لن تفعل هذا.
تُضّيع يدي 
وتدعَ تلويحة أخيرة باقية 
بكامل الذكرى والندم.

أنا لن أفعل هذا. 
أمشي أميالًا كثيرة بحثاً عن ضربات قلبي 
بينما في مكان ما يسعى الخبراء لإبطال مفعول 
قنبلة فاتها الانفجار منذ وقت طويل.

ربما لم يكن هناك شارع ولا مقهى 
ولا رجل جلس ليرتشف الشاي أمامي.
فالماضي يأخذك أحيانا لتكون على طرف
والعالم كلّه على طرف آخر.. فقط ليثبت لك: أن المسألة 
لم تكن في مشط عاجي مهمل أو يد تلوح.. بل في رأسك.. أقصد 
رأسي.. وكلّ هذا الغياب.. كلّ هذا الغياب: الهاطل الوارف المتعرّش.
google-playkhamsatmostaqltradent