recent
أخبار ساخنة

توظيف التساؤلات في تشكيل القصيدة التجديدية عامر العراقي والموتى يتكلمون /سعد الساعدي

توظيف التساؤلات في تشكيل القصيدة التجديدية.. عامر العراقي و"الموتى يتكلمون"
سعد الساعدي

من مميزات القصيدة التجديدية هي الكيفية التوظيفية في تشكيل مجموعة تساؤلات ينطلق منها البوح الذي كتبت به كتجربة شعرية، ومن ثمة يترك الشاعر للقارئ سبر أغوار النص، وجماليات الوصف المسافر لفضاءات العاشقين، المتعبين، المعدمين ، أوكل الصور التي تغلّف حياة الانسان ببهجتها وحزنها انطلاقاً من الخط الذي رسمه الشاعر؛ وهنا نجد شاعر تجديدي متمرس بكتابة قصيدة النثر هو عامر العراقي كيف بدأ في أول قصيدته: "الموتى يتكلمون" فاتحاً بابها بإثارة دهشة تستغرق نصف النص تقريباً كي تثير مجموعة تساؤلات لدى القارئ، مع أنه توقف بعد لحظة نشوئه بيان صورة صوفية لتتولد بعد ذلك التساؤلات اللاحقة ضمناً وليس ظاهراً؛ نقرأ النص ونتابع:
"المقابرُ بيوتُ الله// الموتى يَكتبونَ نشيدَ رِثاء// أمّا نحنُ ... نصلحُ // لِكتابةِ مُذكراتٍ// على جُدرانِ المدينةِ// نخطفُ الأضواءَ بعينِ الأراملِ،// وعندَ الفجرِ المُختنقِ// نصنعُ كركرةً ، بضحكةٍ باهتة// بينَ حواجزِ الشفاه// أيها الموتى// اسمعوا أغاني السماء// حينما تسندونَ رؤوسكَم// بحلمٍ يشبهُ راهبةٍ// تمارسُ طقوساً ورديةَ الخفاء// أمسكوا الوسنَ من خدِّ زنبقةٍ// قبلَ أن تصرخَ نحيلةً// وتشربَ الماءَ مثل قطعانِ الأغنامِ// لِتبللَ نَفسَها بوادٍ مظلمٍ// لا مواعيدَ تُغلقُ فيها الأبوابَ// سوى بعضَ ريحٍ// من ربيعٍ// تداعبُ أشجارَ زيتونٍ// ورائحةَ تينٍ// يصرخُ في سباتِ عرائشِ العنبِ// المقابرُ بيوتُ الله// الملائكةُ لا ينامون// يَحرسونَ الضوءَ والنومَ// يَغرسونَ أطفالاً بالحدائق// يضعونَ طِلاءً أخضرَ// فوقَ ذنوبِ العشبِ// 
أيها الموتى// لا تخرجُوا// ستسمعونَ صوتَ الأغاني// تخرجُ من فمِ الكواكبِ// على عزفِ نجمةٍ// بأذنِ مذياعٍ// يرمي نِقابَ الخطيئةِ// بوجهِ دائرةٍ مغلفةٍ  بالدورانِ// فأيّ القبورِ//
تَسعُ حديثَ جثامينِهم."
 
 من هناك انطلق الشاعر بعيداً عبر حدود الارض الى ما وراء الافق، ومنها حلّق شاعرنا بعيداً جداً في فضاءات سحيقة، ليبدأ يرسم بوجدانه خلجات الروح العاشقة لعذاب مجهول ربما، وحبها اللامتناهي لتتعدد الصور الجمالية المكتظة بمعانٍ شتى. القصيدة كما لو أنها تناغي ما يبتغيه ويريد قوله، لم يضمّنها اي تعقيد بيّن، لتبدأ بعدها الرحلة بين صورة الموت والحزن بخلق وشيجة تثير التساؤل التالي: ما علاقة (الموتى يتكلمون) ببيوت الله؟ ثم كررها لاحقاً الشاعر ليثير تساؤلاً آخر: هل الخلاص هناك في المقابر؟ ما الذي دعاه لوصف الملائكة بهذا الشيء: " الملائكةُ لا ينامون.. يَحرسونَ الضوءَ والنومَ"؟
نشيد الرثاء صورة حزينة: "الموتى يَكتبونَ نشيدَ رِثاء"  كيف اجتمعت مع صورة أخرى تحمل اشراقة فرح حين ينادي الموتى: " أيها الموتى
اسمعوا أغاني السماء// حينما تسندونَ رؤوسكَم// بحلمٍ يشبهُ راهبةٍ//تمارسُ طقوساً ورديةَ الخفاء.." ثم يكرر النداء:" أيها الموتى
لا تخرجُوا// ستسمعونَ صوتَ الأغاني// تخرجُ من فمِ الكواكبِ// على عزفِ نجمةٍ.." ما الذي يقصده الشاعر من كل ذلك؟ سؤال ثالث منبثق من عمق ذلك النص يوحي تارة بيوتوبيا يخلقها الشاعر وهو المعروف بغزارة انتاجه الشعري من هذا القبيل، وتارة أخرى يريد تثوير صورة ذهنية ليست مصطنعة، تأتي من الادراك والتصور العقلي حين يبدأ المتلقي يسأل ويجيب نفسه في ذات الوقت. هذا الاشتغال الوجداني المتصوف له قيمة فنية نجد القليل منها اليوم في الشعر الحديث، وهو الذي أضاف صفة التجديدية على مثل هكذا أشعار، علماً أنَّ الشعر ليس بجديد، ولا حاجة لاكتشاف ما يُكتشف مثلما انتقدني ذات مرة أحدهم حين أسميت احدى الدراسات النقدية "التجديدية في الشعر العراقي" بأن لا حاجة للقول بوجود التجديدية، لانها قائمة بالأصل، لكنه تنسى الفرق بين الجديد والتجديد، ونلتمس له العذر طالما لا يعرف لغته العربية بتمام معانيها!  
في هذا النص يمكن اكتشاف ما  تعلّق في أعماق الشاعر،  ليسكن معه أبداً بحزنٍ ظاهريّ ودفين، وبين ثنايا ألوان يحب أن يختارها بدقة فائقة، وهذا ما عرف عنه دائماً في حياته العملية كشاعر محب للمجتمع بروحه الانسانية. ثم نكتشف أنه أيضاً يخلط مزيجاً متجانساً من كلمات العشق بلون كنايات خاصة، مع ما يكتنفها من رمزية وغموض، لكن يمكن فكّ خفاياها لمعرفة الطموح بكيفية الوصول للنقاء الوجودي، كي يبقى محلقاً مع قارئه الى آخر حرف من آخر القصيدة التي رسمتها تلك الألوان، رغم قتامة الحزن والألم المكنون بين ثنايا روحه: "أمسكوا الوسنَ من خدِّ زنبقةٍ// قبلَ أن تصرخَ نحيلةً// وتشربَ الماءَ مثل قطعانِ الأغنامِ// لِتبللَ نَفسَها بوادٍ مظلمٍ..."
 لم يتردد يوماً الشاعر وهو يكتب قصائده كانفعالات وهواجس متعددة الاطياف، بتفاعلية خطابية هي أيضاً كتابة تجديدية نجدها اليوم لدى بعض الشعراء؛ ويقينا هنا لم يخاطب الشاعر الموتى، بل يصف بشراً في قبور الأحياء، أو هم موتى يتنفسون:
" ستسمعونَ صوتَ الأغاني// تخرجُ من فمِ الكواكبِ// على عزفِ نجمةٍ// بأذنِ مذياعٍ// يرمي نِقابَ الخطيئةِ..
بوجهِ دائرةٍ مغلفةٍ  بالدورانِ// فأيّ القبورِ// تَسعُ حديثَ جثامينِهم". 
في رحاب هذا النص النثري التجديدي هناك انبعاث ادهاشي يجده القارئ وهو يرى تجلّيات وجماليات تتجدد مع كل كلمة فيها؛ كأنَّ الشاعر  في اشارته للموت يولد من جديد للحياة؛ يعبِّر عن الأحياء بصورة مقلوبة، هو يرسمها وليس العكس:
"الموتى يَكتبونَ نشيدَ رِثاء// أمّا نحنُ... نصلحُ لِكتابةِ مُذكراتٍ// على جُدرانِ المدينةِ// نخطفُ الأضواءَ بعينِ الأراملِ// وعندَ الفجرِ المُختنقِ// نصنعُ كركرةً، بضحكةٍ باهتة// بينَ حواجزِ الشفاه"
 كل تلك الرمزية بما تحمل من واقعية نقدية حقيقية ماذا يريد بها الشاعر؟
هو يبحث عن مكان آمن، ليتحول الرمز المجهول الى واقع مليء بالحرية: "الملائكةُ لا ينامون// يَحرسونَ الضوءَ والنومَ// يَغرسونَ أطفالاً بالحدائق// يضعونَ طِلاءً أخضرَ// فوقَ ذنوبِ العشبِ"
تفاؤلية عالية جداً نراها أحياناً هنا، في حقيقتها يوتوبيا أمل منشود، مع غيابات كثيرة وتمرد فكري لا يبالي من أحزانه،  صياغات متفردة لا تحمل إلاّ رمزاً واضحاً للحب والحياة. هنا لابد من الالتفاتة بشكل مركّز ومختصر لما يكتبه عامر العراقي على طول خطوط الجمال لديه؛ إنه يميل برمزيته المتدفقة بالظهور الى بقاء القارئ بلا تشتت، متابعاً مستأنساً مع ما كتب، فهو يعرف منذ البدء أنَّه يبعث رسائل لابد أن تُفهم بلا عناء ومشقة، لكنها تحتاج لتأمّلٍ عميق، لأنه تأمَّلَ كثيراً على ما يبدو باختيار المفردة النقية بعناية فائقة كي تسمو بما يصنع، ومعه يسمو المتلقي بجميل ما يقرأ، لينتعش حين يسمو ـ هو ـ مع جمال طبيعي، وخيال غير غارق بظلام مُدَهْلز، لا مكان له ولا زمان.
من يكتب عن الشاعر العراقي يقف طويلاً متأملاً ينابيع الجمال، وأنهار العطر المتسامي بعيداً، بعيداً، حيث السكون، والأمل المتجدد، والذكريات بما تحمل من كل المعاني الشعرية. 
لا نحتاج جميعاً كقراء، ونقاد وباحثين في الشأن الأدبي، أن نكسّر نصوص الشاعر، ونعيد بناءها من جديد، كي نعطي ما نريده نحن، وليس ما أراده هو، ومهما أعيد البناء فانه سيرجع لقالبه الأصيل، فالحروف والكلمات، هي التي تقودنا قبل أن يدعونا الشاعر لسماعها؛ حتى من الصمت ينبثق الصوت الدافئ، ليغني كلمات قد تكون خجولة بصراحتها في كثير من المواقف، وانسيابها البعيد.
 الشاعر كتب بدراية أهل الصنعة العارفين من أين تدخل السعادة للمتلقي اذا قرأ له، وقبل أن يصله صدى رسالته تيقن بالقبول، والموافقة، وهذه صفة أخرى من صفات القصيدة التجديدية حين يثق (الشاعر) بنفسه وما ينتجه من عطاء، كما هي سيرة عامر العراقي واقعياً ناقداً يحمل آلام بلده وناسه، وهذا هو سرّ نجاح كل عملية اتصالية.
 مارس الشاعر الاتصال الجماهيري عن بعد وكأنه في جلسة شعرية تقرأ الوجوه، وترى التفاعل؛ لتشعل الحماس، رجْعُ صدى كتاباته ينبئ بالخفايا، و مكنون جمال ما كُتب هو سريان رسالته الاعلامية بوضوح خالٍ من أي غموض والتباس يشتت ذهن المتلقي  لما يحمل من منتقيات ممغنطة ببوحٍ شجيّ، وشذرات تعمقت بلا نهائية زمانية من أسرار النفس ومكنونها، وضعها الشاعر على ورق مترقرق لا يخشى ضياع أي حرف أو كلمة. 
ورود أخرى هناك تشهق بالحب من جديد كما في قصائد كثيرة له في ديوانه الأخير "مرثية خلف القضبان" التي اخترنا منها هذه القصيدة والتي تميزت باستعارات وتشبيهات تأخذ المتلقي الى عالم كبياض الثلج، رغم ما تحمل من ألم؛ لكنها أزهرت بالحنين، فكانت واحة غنّاء، امتلأت بأريج مبهج  زرعه الشاعر بهدوء وروية، وكأنه عرائش الياسمين على ضفاف دجلة والفرات، أو أسطورة عشق على ضفاف العشق وخدود الورد، وبوحٍ على حافة الشفاه ينتظر ورود الربيع بلا انقطاع.
......
#الموضوع من صفحات كتابنا النقدي الجديد...
google-playkhamsatmostaqltradent