recent
أخبار ساخنة

السعادة الأبداعية في القصيدة التجديدية رحيم الربيعي في رؤية تحليلية سعد الساعدي

السعادة الابداعية في القصيدة التجديدية..
رحيم الربيعي في رؤية تحليلية
سعد الساعدي

حين نخوض في المجال النقدي بعيداً عن صراعات فارغة من أجل الوصول للحقائق الكامنة فيما نطرحه كجيل من المهتمين بالكتابة، والساعين لخلق فاعلية مجتمعية نريد بها هنا الاقتراب من السعادة الابداعية والفرح، بالقدر الذي يسعى اليه الكاتب عند طرح أفكاره الناصعة، لا الفكر الهدّام السوداوي كما عند البعض؛ بمعنى صنع طاقة حياتية ايجابية في خضم المتلاطم من طاقات سلبية خانقة.

 قد يبدو مفهوم السعادة الابداعية جديداً، وهو يعني باختصار: احترام القارئ بمسعاه لزيادة ثقافته، وامتاع ذائقته، من أجل أن لا تكون تلك الهامشيات المكتوبة وبالاً عليه وعلى سعة الأدب ومساحاته اللامتناهية. من هذا التصور أيضاً يمكن لنا ككتاب الدخول لفضاءات التحليل نقداً لسبر أغوار الكتابات، ولإيضاح الحقيقة من وراء ما نكتبه ويكتبه الآخرون ليصبح أمام الملأ، وهم من يقررون آخر المطاف كيف جاءت الكتابة شعراً، نثراً، أو نقداً.

إنَّ أحد أسباب اللجوء لكتابة القصيدة بشكلها الآني اليوم هو التخلص من البحث عن كلمات معجمية صعبة المعاني شائكة الفهم من أيام شعراء ماضين في القدم الى اللاحقين غيرهم؛ رغم أن البعض مازال يكتب بلغة فوقة الى حدٍّ ما، بمفردات معمّقة، عربية ومعرّبة، ليستعين بتوضيحات وشروحات هامشية جانبية أو أسفل النص؛ بعض النقاد استحسنها، وبعضهم رفض، لكن ليست هذه مشكلتنا الآن. من هنا صار التجديد واقعاً مطلوباً لابد منه، أي التخلص من المفردات غير المفهومة بتبسيطها ليثبت الشعر الجديد حضوره لاسيما بعد مدرسة الشعر الحر، ليبقي بما يملك من فن التلاعب اللغوي، محافظاً على لغته الأم رغم الابتعاد الطويل عنها، وتداخلها مع لغات أخرى ولّدت لهاجات عامّية محليّة نسمعها في كل مكان، بات الكثير من كتاب القصة يكتبون بها رواياتهم مثلاً، لكنها لم ولن تغيّب العربية وإن تكلمنا جميعنا بتلك اللهجات كل حسب مدينته وبلاده. وما يسمى بقصيدة النثر في واقع الحال هو تداخل شائك بين النصوص المترجمة الى العربية التي تفقد وزنها وموسيقاها جراء تلك العملية، وبين ما هو كائن جديد له سماته وخصائصه ودلالته الواضحة التي يعرفها بعض أصحاب الشأن من نقاد وشعراء، ووفق اثباتات تاريخية فإن قصيدة النثر ليست غربية بل هي عراقية عربية منذ أكثر من أربعة آلاف عام حيث لا مجال للبحث عنها هنا، ومن شاء فليبحث أكثر ويتعمق بتحليل الأدلة من مصادرها.
من يقرأ نصّاً قراءة نقدية قبل سنوات؛ لا يخرج عن سياق العرف اذا عبّر بقوله أنَّ قراءته هذه قراءة معاصرة، وهذا نعيده غالباً هنا وفي غير مكان لتأكيد الحالة، وكذلك من يسبقه بسنوات أكثر، ومن يلحق به بعد مائتي عام مثلاً، وهكذا يمكن الاتفاق على أن كل جيل يقرأ قراءته المعاصرة، ولا خلاف على ذلك، ولجعل النسق العام سائراً بوجهته الصحيحة المتفق عليها؛ ظهرت التسميات والاصطلاحات بهذه المفاهيم: الحداثة ، وما بعد الحداثة، وما بعد- بعد الحداثة، التي اختصرناها بهذا المفهوم: (الحداثة التجديدية، أو المرحلة التجديدية) لتكون القراءات الحديثة معاصرة لزمانها، ولا تختلف أيضاً. 
فمثلا إذا صنّفنا شعر الشاعر العراقي رحيم الربيعي ضمن أي اتجاه حديث هو، نقول بشفافية: أنه مع سياق أشعار المرحلة التجديدية، والشاعر ليس منفرداً كتب ذلك، بل مع الكثير من الذين نَحَوْ هذا المنحى، لكن اختيار أشعاره جاء كأنموذج بسيط آخر ليس إلاّ مع ما كتبنا الكثير عن غيره هنا أو في مكان آخر. 
الميزان المنضبط لتناول القصيدة التجديدية هو الاستعانة بنماذج منها، فوقع الاختيار على شعر الربيعي كمدخل جديد مع من وقع الاختيار عليهم سابقاً وكتبنا دراسات مطولة عنهم كنماذج تعريفية وليست قطعية؛ فلا يمكن حصر الجميع حتى بكتاب.
 نتناول أشعار الشاعر بشكل عام، لا بأخذ (قصيدة - قصيدة أو مجموعة – مجموعة) وتحليلها وفق نظريتنا الجديدة في المدرسة النقدية التجديدية؛ نظرية التحليل والارتقاء، التي تبتعد عن قوالب النقد ومدارسها الكلاسيكية التي لا تلبي الطلب التجديدي بالشكل العام ونحن في عصر مرحلة التجديدية، مع عدم نكران الاستفادة من تلك المدارس، لكن ليس كمقياس ضبط حتمي قطعي، لننطلق من تأصيل عربي له صفاته وميزاته التي يرتكز عليها.

من العوامل المهمة التي دعتنا للخوض في تجربة الشاعر الربيعي كغيره من الشعراء التجديديين، أو الوقوف عند أشعاره، هي الطريقة الاشتغالية الواضحة ضمن منهج تاريخي تصويري للواقع بكتل شعرية وجدانية، يبدو تأثيرها الواضح عبر الأغراض الشعرية التي كتب بها، من غزل ووصف وغيرهما.
في واحد من نصوص الربيعي تكمن ملاحظة صور مختلفة جاء بها النص، تدور ليس في فضاء له دائرة محددة، بل في فضاءات مختلفة متوازنة، يستشعرها صاحب الذائقة الشعرية، المتابع لتنوع فنون الكتابة التجديدية، اضافة الى السير وفق المرتكزات التجديدية بأكثر عمق في الاشتغال اللغوي، وتجسيد المعاني المتعددة الغزيرة، لخلق الصور الجمالية التي تمتاز بها قصيدة النثر التجديدية، مع أنه كاتب لقصائد عمودية كثيرة، وهذا من أهم الموارد والمباحث التي تناولتها نظرية التحليل بخلق رسالة اتصالية (قصيدة)؛ الأول فيها الشاعر، والثاني هو المتلقي؛ ضمن مسيرة عملية الاتصال في جوها اللغوي العام، لتعود من جديد رسالة ثانية لباعثها الأول، فيعرف مدى التأثير والتأثر، ومدى امكانية تعديل الرسائل اللاحقة إن كان فيها بعض الخلل؛ بما يعني وجود ناقدين؛ هما القارئ أو المستمع، والناقد المتخصص، أما المصحح والمُعدِّل الجديد لاحقاً فهو ذات الشاعر طالما سيأتي بجديد يتسم بلغة ناصعة مفهومة بمعنى مكتمل، وصور جمالية أخرى تابعة، وهذا أيضاً دليل جديد أنَّ المُنتِج يبقى فاعلاً. ننقل النص بالكامل لبناء ادراك موضوعي لكامل الماهية التوليدية فيه:

النص:
" في صباحٍ نيروزيٍّ
كنّا نجلسُ في باحةِ الجامعةِ 
نحلقُ عالياً ونثرثرُ كثيراً
نقضمُ الوقتَ بأسنانِ الخجلِ
نتبادلُ نظراتٍ ثمينةً جدا 
نعاقرُ فيها دوارَ الحُبِّ 
بعدَ كلِّ حربٍ تاخذهُ لفضاءاتٍ معتمةٍ 
لا تعلمينَ كم أنتِ فاتنةٌ 
مهما طغتْ تفاهةَ الكلماتِ
يظهرُ ذلكَ الجمالِ 
الذي شوّهَ كلَّ الأبوابِ المغلقةِ
والتي تدعو لطي العناق
وتكورُ الرحيل في زوايا الابتعادِ المرسومةَ على جدرانٍ منسيّةٍ ..
خُطَّتْ عليها تجاربُ وخيباتٌ ملوّنةٌ 
حبيبتي…
تملكين من النقاءِ والسلامِ 
ما يجعلُني أتحدّى أيَّ حربٍ قادمةٍ
وتملكين من الاتزانِ
خطوات أجتازُ العشرين بحلمِ العمرِ .. 
أنثى الشتاءِ والمسافاتِ الماطرةِ بالشبق
نارُ الشوق التي نضجَ عليها قلبي
جعلتك ِترُدّين الجوابَ بأسئلةٍ ساخنةٍ
وأنتِ من يفتحُ معطفَ الرّغبةِ 
كلما دعوتُكِ للطّيرانِ عاليًا
فوقَ أحلامِنا الصاخبةِ
بحفلٍ أسطوريٍّ لا ينتهي ..
مهما شحّتْ بوادِرُ اللقاءِ في مطلع العشق".

هذه العملية بمجملها محركها الأول هو الشاعر - وهنا الشاعر رحيم الربيعي وبقية الشعراء التجديديين أمثاله - وبقية العوامل التالية كلها مساعدة في التحريك لخلق الصورة الابداعية النهائية، وهذا تأكيد جديد وأثبات آخر على عدم موت المؤلف حسب زعم بعض النظريات النقدية، وما أثبتته نظرية التحليل بالتفصيل يؤكد ذلك.

 من كل ذلك تتمحور منابع الخلق والابداع، لتشع برسالة ذات قيمة ابداعية نصطلح عليها "السعادة الابداعية" حيثما كان الجمهور متابعاً للشعر، وأيضاً ينطبق ذلك على الفعاليات الأخرى في التشكيل والدراما والفن والرواية، وكل انبعاث انساني غايته المثلى الحياة الهانئة، ضمن المسيرة الكونية العامة، إنْ جاءت جميع اشتغالات المبدعين التكوينية والوظيفية موافقة للدلالات الواقعية، وليست العبثية المليئة بصور التشظي الكتابي، بل المعبرة عن قضية الخالق المبدع للانبعاث، كتوظيف جمالي جديد، وهو الآن ما يميز الكثير من كتاب القصيدة التجديدية (النثرية والعمودية أيضاً) كأصحاب رسالة واضحة، تارة تحلم بجنة أرضية (يوتوبيا)، وتارة أخرى حالمة بالخلاص من العذاب نحو التحرر والعدالة، وإن كانت القصيدة غزلية؛ فيها من قيم الجمال اللائق بذائقة الجمهور المتلقي، لا خادشة لأحاسيسه بابتذال مبتعد عن العاطفة والوجدان، من أجل السموّ الروحي الحقيقي، كما يلاحظ من يقرأ بعض أشعار الربيعي. 

هذا التشخيص باختصار هو دعوة لعدم التخوف من كل جديد، ومحاولة بمعاضدة التجديد من الجميع للارتقاء بالمبدع المتمرس، والموهوب الواقف على أول عتبة من الكتابة، وبذا نكون كنقاد أبويين حاضنين مساندين، ولسنا حملة سيوف جلادين كما يفعل البعض، ونكررها: أنهم كثيراً ما أماتوا أصحاب المواهب والقدرات العالية.
google-playkhamsatmostaqltradent