recent
أخبار ساخنة

الثنائية الضدية في غزالة الصبا للشاعر كاظم الحجاج ..... طالب عمران المعموري


الثنائية الضدية في غزالة الصبا للشاعر كاظم الحجاج
طالب عمران المعموري
تعصب للخير والجمال والمحبة يخفي أحزانه وحالات الوجع بالتخفي وراء طرفة، بحس مرهف ولغة خاصة يستنبطها من معجمه الشعري، حقق بصمة شعرية بقدرته على صناعة الطرفة ونسج السخرية للتعبير عن أدق الموضوعات ، حين تنثال عليه المفردات من مملكته الشعرية وكأن بيده وحي الشعر ما زال يقظاً فاذا ما اراد ان يأوي الى سريره يطفئ الشعر وينام .. كما يقول في نصه (البصريون) ص 10:
نحن من نطفئ الشعر (1)
حين ننام ..
ونؤرق مصباحنا
للضيوف
شاعر من الجنوب يكتب نصوصا وجيزة وقصائد طويلة بمفارقة لفظية وثنائية ضدية متعددة، الفحولة/ الانوثة ، الشرق/ الغرب ،الفقير/ الثري، النضج / الفج، الاسود/ الابيض، الخادم / السيد ،السجن / الحرية ،الحظ / التعاسة ، الحياة/ الموت، يشكل لنا صور شعرية ، تتميز بالإيجاز والتركيز وكثافة التوَتُّر. عَصَبُها (المفارقة)، والإيحاء، والانزياح، والترميز.
غزالة الصبا، الاعمال الشعرية للشاعر الكبير كاظم لحجاج ،ط1، اصدر دار سطور للنشر والتوزيع ، بغداد ، 2017 .
استنبط الشاعر عنونة ديوانه من نفس الديوان ، عنوان استنباطي معجمي صريح ويقصد به ورود العنوان كما هو (صريحاً) داخل ديوانه الشعري..




قصائد المجموعة الشعرية تتنوع عتباتها العنوانيه الا انها ذات مناخ شعري واحد يكاد يهيمن على تجربة قصائده مناخ الحب، ووجع شفيف يعبر عن حزن العراق والحرية ومحنة الانسان : توحيد / البصريون / تجنيس / حسناء/ تحرير/ لولا/ تبشير/ رفض/ ورق الاربعين/ أمجاد / جنوبيون / زوّار/ مراهقة / الفجر/ شجرة الاقزام/ كاريكاتير / آدم وحواء/ سيناريو موت جندي في ارض أخرى/... 
يقتنص لحظة أو مشهدٌ أو موقفٌ أو إحساس شعريّ خاطف يمّر في المخيلة يصوغُهُ الشاعرُ بألفاظٍ قليلةٍ، وايقاع وموسيقى داخلية ، شعرا صافياً نقياً ومؤثراً، قصائد مقطعية،
 نزوع الشاعر الى لغة الوميض الشعري فله ومضات جميلة بلغة شعرية ذات ايحاء وتعبير شفاف ومسار ابداعي تأملي مبهر رؤيوياً مسكون بهاجس الابداع والانزياح العميق تسير على نموذج قصيدة الحداثة، كما في نصه (تجنيس ): ص13
أجمل موتٍ للسُكّر
في أقداح الشاي
ولهذا..
ما أحلى ذوبان الشعراء
 جعل من ضميره اله رقيباً يحاسب نفسه في زمان مات الله ومات الضمير وماتت القيم كما في نصه (نقد ذاتي):
إني..
رجلٌ..
يخجلُ..
منيّ!
المكان وهو يرتبط بالشاعر، نجده يمثل تلك الذاكرة التي يرى من خلالها الشاعر على وجه الخصوص نفسه فيها ليعيد ذكرياته، 
وظف الحجاج صوره الشعرية المستمدة من واقع الامكنة البصرية ومظاهر الطبيعة اهوار، وقصب نهر وطير.. ونمط اخر من الصور وهي الصورة الارتدادية نمط يعود الى زمن الطفولة ، في ثنائية الماضي/ الحاضر ، فبين الشاعر والصبا علاقة وطيدة فهي تمثل عالم البراءة والكمال كما في نصه : 
غزالة الصبا (2)
يا زمان الشناشيل دار الزمان
دارنا لم تعد دارَنا
جارنا لم يسّم من قلبه
- في زمان الشناشيل كنا نسّلم من
 قلبنا
وخدود البنات
 لم تعد تتورد من خجل
                (صرن يصبغنها)
وفي نصه:
وكانت محلتنا في المساء 
تضاء بضحكات أطفالها 
ويحَ ذاكرتي 
أتذكر عين (الغزالة)
.. كانت تعلق قمصان أخواتها
حسرتي من زمان :
أن اراها تعلق فستانها
-في زمان الشناشيل كان النساء
يعلقنَ أثوابهنَّ 
بزاوية لا يراها الرجال! فلسفة الشاعر الشعرية في ديوانه(غزالة الصبا) وما تفرزه من معطيات شعرية تتكشف عنه من قيم المحبة والألم فالخطاب الشعري هنا صوره لذاته الشاعرة في ثنائيات ضدية على مستوى الموضوع ، السجن / الحرية ، كما في نصه (تحرير) ص 13
الدمعة ماءٌ مسجون
ينتظر الحرية َ
من حزن .. قادم!
استطاع الشاعر بشاعريته المرهفة وسيطرته على تشكيل الصورة أن ينقلنا الى الجو النفسي وينقله إلينا ، من دون أن يدخلنا في متاهة الغموض وعدم الفهم ؛ بثنائية ضدية البرد/ الحر يتجلى ذلك في نصه من ألواح الشاعر السومري أنا هو: ص 68
لأني نحيل ،
لم أكلف الربَّ طيناً ليخلقني،
صاح بي : يا أنا هو
ففتحت عيوني
-أيما وطن تشتهي؟ قال
قلت: الجنوب
والى أين تلجأ في البرد، في الحرّ؟
قلت: النخيل
وماذا تأكل؟ تشرب؟
تمراً، وماءً قليل
اذن فاستمع يا أنا هو
سأقول وتفهمني :
يا أنا هو: تبصرْ.. تبصّر
وفي نصه
 بإحساس مرهف يعبر عن رقة قلب الشاعر وحبه للسلم وبغضه للحرب والقتل بثنائية ، الحظ / التعاسة، الموت/ الحياة كما في نصه( أمجاد) ص 18
حتى بين رصاصات الجنود
رصاصة محظوظةٌ:
تلك التي تخطئ أهدافها
ورصاصاتٌ تعيسةٌ:
تلك التي ترتكب..
أمجاد الحروب
الرؤيا الذي انجزها الشاعر بطريقة ابداعية يحكمه الاحساس العالي والبناء اللغوي للنص الشعري ،المنولوج الداخلي في أعماق روح شخصية الشاعر من خلال حواره مع ذاته وتساؤلاته وما تمليه عليه رؤيته وفضاؤه التخيلي على نحو يتناسب مع فلسفته الشعرية في أعماه الشعرية وما تفرزه من معطيات.
يأخذنا عميقا في أغوار خلجات عقله الواعي متذمرا ساخرا من واقع مبكي فوقه ابتسامة في ثنائية الشرق/ الغرب كما في نصه : ص 60
لو تُعلن أحزاب الشرق وأحزاب الغرب
عن ترشيح الشعراء
ليصيروا حُكاماً..
هل يمكن للشاعر
أن يُتلف بستان الشاعر؟
أو يحرق مكتبة حتى للأعداء؟
هذا التاريخ يسجِّل،
هل قامت معركةٌ
بين الشعراء
وتعدّ سطراً من عتب أو بيت هجاء؟
حسناً. ماذا لو نتحاور حول الحب؟
تتجلى المفارقة في صور شتى من الحياة والمواقف وتكون عندما يكون أثرها مزيجا بين الألم والتسلية ، أو حين يقول المرء نقيض ما يعنيه أو يمدح قاصدا الذم أو يذم قاصدا المدح أو حين توضع الأضداد بعضها بجوار بعض بقصد إبراز ما يحمله ذلك الوضع من سخرية وغير ذلك من الأمثلة التي تصنع المفارقة قول الشيء والايحاء بنقيضه، يقول خالد سليمان في كتابه المفارقة والادب ، دراسات في النظرية والتطبيق( لغة المفارقة ذات إيحائية تستدعي إعمال الخيال والأبحار فيه، فهي لغة تعتمد عدم الافهام على نحو مباشر، على أساس أنها لغة تجعل الأشياء تهرب منها بمجرد أن تقترب منها، لأن هذا هو الذي يفتح المجال للقارئ ويضعه أمام قراءات وتأويلات كثيرة الأمر الذي يمنحه متعة القراءة، ولذة اكتشاف خفايا الأفكار الجديدة التي تخبئها له هذه المفارقات؛ ليكون المبدع الثاني لهذه الظاهرة الأسلوبية المميزة ذات البناء المحكم بمهارة)3
أعمار
أعمار الخرفان
تتراوح ما بين ..
الراعي ..والجزار
شاعرا خفيف الظل يمشي على الارض هونا لم يؤذي نملة نستشف ذلك من نصه : ص69
ولأني نحيل
فأني الأحن على الارض
يا وطني!
هل تراني أدوس ترابك كالآخرين
ألست الأخفُّ عليك
ألست الأحن؟
إن اعمال الحجاج الشعرية في مجملها تجربة غنية بالسمات الجمالية خالدة التي تعبر عن تجربة ابداعية، تأسر وتجذب المتلقي..

google-playkhamsatmostaqltradent