recent
أخبار ساخنة

الـ أنا وعمق المأساة في(صورة شمسية لولد عنيد)

الأنا وعمق المأساة في " صورة شمسية لولدٍ عنيد " للشاعر محمد شاكر الخطاط .
غانم عمران المعموري

ولدٌ عنيّدٌ ذلك الشاب الأسمرُ الأنباري تَّمسّكَ مُنذُ نعومة أظافره  بخيوطِ العلم فتسلّقها وغَّرفَ من ينابع الثقافة أعذبها, فتى لَبقُ الكلام تعَمَّد جَسَدهُ بمياهٍ عَذبٍ, عانَّقت  روحه  مياه دجلة والفرات, وأطْربَ سَمْعَهُ صوت سعدي الحديثي ب ( آه وا ويليه ), مَدَنيُّ الأفكار ذو علاقة وشيّجة و ثُنّائيَّة بالمدينة استقى من بنيَتها خصائص حداثوية وجماليَّة كان لها الأثر الفعال في حَشّد خزين هائل من الأفكار والذكريات وما يّدور في مكنونها من تمظهرات ذات طابع اجتماعي وسياسي واقتصادي يُّمَكنُ الشاعر من استرجاعها بقوةِ الخيال الفني الابداعي وقوة الإثارة والاستفزاز ... لذلك جاءت تلك اللقْطة الخاليّةُ من الألوان " صورةٌ شمسيةٌ لولدٍ عنيد " لتُمَثّل طابع الإصرار في التّمسك بالتقاليد والأصول العراقية التي تربى عليها ذلك الولد العنيد باعتبارها رمز الإصالة بعنونة طويلة تُثير التساؤل والجدل بوهّج متموّج بصَريّ يُلامس ويُدغدغ مشاعر وأحاسيس المتلقي ويَدْفعه إلى رغبة التأمل والتفكير  لاسيما وأنَّ العنونة متجانسة ومتلاحّمة مع صورة الغلاف ولوحة الرسام العراقي مُحَّمد جبار التي جاءت بعنوان " الولد بلا وجهٍ يلائم الصورة ..
يدخل الشاعر من خلال عالمه الخاص مُعبَئاً بسيّل من الذكريات والهموم والمعاناة إلى قلب المدينة النابض فيتغنى بوجعٍ عن طريق صور شعرية مٌتلاحقة بخطابٍ منولوجي  ينطلق من الأنا الفردية التي لا يقصدها بذّاتها وإنما تشظى إلى الذّوات الجمعية لتَسع البلد بأكمله كما في 
قصيدته : سطر حب, وكنسات حروب 
راقدٌ أنا يا عِشتار
في حقيبةِ النزوح 
ألتقطُ أشلاء مدينتي
لكنني ...
تركتُ خوذة آب
منسيةً على بوابةِ الرمادي ...
 يرتبط الشاعر لا شعوريًا أو لا إراديًا بجذورِ مدينَّته ليعكس لنا حالة التأزم والصراع النفسي والاجتماعي الذي يُرافق الذّات الشاعرة  وسيّاط الواقع المأساوي   عليه وأبناء بلده فتكون علاقته بها ناشئة عن ( صِرَاع بيْنَ الذَّاتِ في بحثِها عَنْ البرَاءَةِ وَالجمَالِ والنَّقاءِ والتَّواصُلِ الإنْسانيِّ, وبَيْنَ الواقعِ وَمَا فيْهِ منْ تَفَكُّكِ وَتَنَاقضٍ وَقُبْحٍ وَفُقْدَانِ لِقَاءِ الإنْسان بِالإنْسانِ )1.
لجأ الشاعر إلى أسلوبية الاستفهام لغرض توليد الدلالة في النص الأدبي المُنتج ويمكن أن تخرج تلك الدلالة إلى معانٍ أخرى يقصدها الناص وليس الدلالة الظاهرية كالتوبيخ والتهكم والإنكار والسخرية وهنا يكون الاستفهام غير حقيقي وإنما مجازي كما في نصه :
ماذا تنتظرين ؟
الرصاصاتْ يلعبنَ في مدينتي
والخيالُ يأكلُ مصاطبَ العُشَّاق ...
ماذا تنتظرين ؟
كأبة الحروبِ تفجَّرت في وجهي ...
فماذا تنتظرين ؟
.............
.....
...
لْم ينحنِ شعري ...
فماذا تنتظرين ؟
وقدْ وضعوا كأبتي
بينَ مزهريات التماسيح...
استثمر الشاعر في هذا النص تقنية التكرار التي يكون لها الدور في تحقيق انتظام موسيقي بإيقاع نغمي  يعمل على الشَّد والشّحن المتواصل بين النص والمتلقي ويربط بين مقطع وآخر دون رتابة أو ملل مُحققاً بذلك وظيفة دلالية قصّديه ونفسية لدى الشاعر أراد إحّداثها في نفس المتلقي, بالإضافة إلى منح النص قوة تأثيرية شعورية يُمارسها من خلال تقنية الفراغ الذي وضعه في النص للإيقاع بالمتلقي في شَرَك المُشاركة الفعالة في التأمل والتأويل .. 
سار الخطاط وفق رؤية فلسفية خاصة  به للتغلغل في أعماق المجتمع الذي هو جزء لا يتجزأ منه لإخراج المسكوت عنه والمخفي من خلال تأثره بالسياقات الخارجية التي كانت هي اللبَنَّة الأساسية في التراكم الخزيني للأفكار حيث يرى الأستاذ سعد الساعدي في كتابه نظرية التحليل والارتقاء بأنَّ ( عنصرين مهمين غفلتها أغلب المناهج النقدية عن النص كمعيار مهم من معاييره وهما :
فلسفة النص الحركية: والتي تعني الفكرة الاصلية التي يتبناها الناص, وطرح قضية تصورية نابعة من ذّات الناص للعلن وبمعنى أدق هي فلسفة الناص الشخصية في الحياة والتي منها تتحدد مفاهيمه ومقاصده ودوافع كتابته.
والمعيار الثاني سيكولوجية النص الكامنة : التي تحدد الحالة الشعورية للكاتب عبر ادراكه واحاسيسه بما موجود كحالة انعكاسية لما يعانيه ويعيشه هو والمجتمع الذي ينتمي إليه أي ولادة حالة انبعاث جديدة متأثرة بدوافع كثيرة وارهاصات أضفت صبغتها على النص )2.
وإنَّ ذلك ينبعث من خلال نصوصه التي تُبين حالة التأثر المباشرة بالظروف المُحيطة  به باعتبارها المُحفز والمُثير وقوة الشّحن له كما في قصيدته :
 شرفة العالم
يلوّحُ نخيلُ مدينتي إليك
وأدري أنني العاصي
لحياةٍ لا تعرفني 
ولا تعرفُ صحرائي 
لكنني ضحيّة هذا العالم ..
وقصيدة : حكاية وردة أجفلها العمر
حينما أشهق أنفاس المدينة 
وقصيدة : أوركسترا 
-2- أبني فوق أصابعي
وطنًا, مدينةً, نهرًا, حبيبةً, أصدقاءَ
غير أنَّ حلمي يُحترقُ في جذوعِ الكونِ.
وقصيدة : فهرس العالم 
لماذا ؟
أيتها الأمطار ذوات الدموعِ الكاذبةِ
ترسُمين أمام وجهي قافلةَ ضبابٍ من هويات الخناجرِ
وأدري أنني هويةٌ غيرُ محفوظة
لكنني دمُ رماديٍّ
أنجبتهُ طينةُ الفراتِ ..
استطاع الشاعر بكل براعةٍ الخروج من الأُطر الضيقة المحدودة للكلمة ومعناها إلى دلالات متشظية من خلال الرموز الذي ضمنها في نصوصه فمنح الكلمات العادية إيحاءات ودلالات متعددة وانزياحات غير مألوفة فقد استعمل الرمز " أوركسترا الذي يعني الجوق السمفوني وهي عبارة عن مجموعة من عازفي الأدوات الموسيقية في المسارح الأوربية وخصوصاً الإغريقية ..."3.
لم يقصد الشاعر من كلمة أوركسترا معناها المحدد في ويكيبيديا وإنما تَعَدَّ ذلك إلى دلالات أخرى, فإنه يشير إلى الصوت الجمعي المُتَّحد مع الذّات الشاعرة التي تتحسس مشاعر الآخرين ولِما للصوت الجمعي من تأثير كبير على الجهات المعْنية التي يقصدها الشاعر لتعْريّة الواقع المُزيّف من خلال الرمز الذي يخرج الكلمة من معناها الظاهري لأن الرمز " يضفي على اللغة نوعاً من العمق والشفافية والإيحاء ويُعَبِّر عن النواحي النفسية المستترة التي لا تقوى على أدائها اللغة, فالرمز هو الصِّلة بين الذّات والأشياء, حيث تتولَّد المشاعر عن طريق الإثارة النفسية لا عن طريق التسمية والتصريح " 4.
تمكن الشاعر من خلال تطويع نصوصه من الولوج إلى عالم الذّات وتصوير ما يعْتريّها من هموم وآلام لذلك جاء خطاب الأنا معبراً عن كل ما يحيط الأنسان من ظروف خارجية ومفعماً بروحِ الحماسة والانفعال والمشاعر الجيّاشة والقرب المباشر بالجمهور وما يشغل قضيته الإنسانية في بناء منظومة اجتماعية إنسانية عادلة تُحقق للفرد والمجتمع أبسط حقوقه المشروعة في حياة كريمة وهنا تَكْمن مهمة الشاعر ووظيفته الرئيسية تجاه شعبه ووطنه وأن ذلك واضح في قصائده :
سيرة ذاتية 
ثائرٌ ...
وجسد الشارع يملي عليّ ثرثرة العالم 
أتكئ وتعدد ظلي يحمل دمي
غير أنَّ الدمى تنصبُ أوجهي أعلامًا للحروب ...
وقصيدة : العالم المنسي 
أيها العالم المنسي
أدركُ إنَّ شرفةَ الوجوه تجاعيدُ ستهرم
والفراشةُ سنبلةٌ صفراء
تحاول أن تصل إلى البحر
لكنَّ محكمة الغيوم
ألقت عباءات الحياة 
فانفرد العالم يكشط زجاج الشمس
بينما الأرض نوتاتٍ تعزف للحرب ...
وقصيدة : كلاكيت ... أسود أبيض
هذي بعض هزائمي
حينما تمرِّين مثلَ برق ملكةٍ
وأنا مجردُ غيمةٍ ناحلة تتلاطمُ أمامَكِ ...
..................
..........
إنَّ لجوء الشاعر إلى سيرته الذّاتية هو لإحساسه   بقسوةِ الزمن الحاضر وحجم المُعاناة والآلام التي تؤدي إلى  زيادة الضغط على الأنا مما تُسبب  القنوط واليأس والإحباط بحيث أصبح العالم الذي يُحيط به بكل هذه الاضطرابات والقِتال والحروب الطاحنة والتهّجير والظلم مُدعاة إلى ضجره ورفضه للواقع المأساوي فيضطر إلى اخراج مكنون طاقته الداخلية المكبوتة فعلاً تعويضياً لإثبات ذّاته وتحقيق وجودها ..
تتسع دائرة الصمت لدى الشاعر التي تظهر من خلال ترك نقاط طويلة وأخرى أقصر منها في العديد من قصائده تاركاً للقارئ فرصة التفكير والتأمل لإكمال المقطع ولكن القارئ قد يصطدم بخرق لأفقه حيث يتمكن الشاعر بدهاء وتقنية فنية الغاية منها شّد القارئ لإكمال كل القصيدة بوضعِه في حلقةٍ مفقودةٍ لابد أن يغوص القارئ ويبحث عن  التأويل المُناسب  الذي يتطابق مع أفقه وعند عدم التجاوب تحصل الدهشة من قبل المتلقي " لأن بين التجاوب وعدمه خرق لأفق التوقع " 6.
ولعَلَّ ذلك واضح في قصيدة : صورة شمسية لولدٍ عنيد 
رائحةُ الخبزِ
ضفيرةٌ تلفُّ وجهَ مدينتي
والصباحُ يترجَّلُ صالباً ذراعيهِ
بدخانِ الرَّصاص 
فلا تقاوميني يا حبيبتي ...
..............
.......
...
إنّني وَلَدٌ عنيدْ ...
وظف الشاعر المسافات والفراغات في قصائده لما تحمله من دلالات إيقاعية صوتية لها أعماقها وتجلياتها وأبعادها اللافتة حيث أنه " يقوم بشكل أساسي على العنصر التشكيلي للمكان الذي يحتله السواد, متخلياً في ذلك عن مساحة معينة للبياض ويعد في التجربة الشعرية المعاصرة وسيلة من وسائل توفير الإيحاء وتوصيل الدلالة للقارئ " 7.
امتاز الشاعر بقدرته الإبداعية على تطويع اللغة لتكون قادرة على نقل الصور الشعرية الجديدة من خلال عنصريّ المفارقة والتضّاد والانزياح وأسلوب التكرار وخروجه من المألوف إلى فضاءات دلالية منفتحة واعطاء دور كبير للمتلقي ومنحه فرصة المشاركة في إكمال النص وملء فراغاته لتحقيق العملية الاتصالية التي يَنشدها المُنتج واتسمت قصائده بالطابع الإنْساني و الاتصال الروحي العميق بمدينته والبيئة التي يعيش فيها باعتبارها المخزون التراكمي من الذكريات والمُحرّك الشعوري واللاشعوري للسيّل المتدفق من الإيقاعات الموسيقية والكلمات العَذِبة ليرسم لنا كل ما جرى على مدينته من ظروف وحروب طالتها أيدي الإرهاب القذرة إلا أنه لازال يَنشّدُ للأمل والإشراقة في عراق جديد يتعانق فيه نهريّ دجلة والفرات  لينهي لنا مجموعته بقصيدته : غزلان 
وسَلي حمامةً ...
كيف كان الليل يصبغُ حنجرته ؟
والغراب مستنفرٌ فوق كل وردةٍ 
لكنني نواعيرٌ تغازل الصباح
قبل أن يكحل الفرات مرآة جمالي
" غزلان " يا أميرة تلمسان
وفوانيس المغامرات 
تعالي مبحرةً
إلى سندباد الرمادي
وأشبعي توسل الأمنيات
بصلاةٍ فوق الفرات ...
......................
..........
...

المصادر
1-أحمد زياد محبّك – الشَّاعر والمدينة – مجلّة : فصول – المجلَّد الخامس عَشَر, العدد الثّالث – خريف 1996 – ص321.
2- سعد الساعدي – نظرية التحليل والارتقاء – مدرسة النقد التجديدية -تنفيذ الانجاز طباعة وتصميم (المتن) العراق – بغداد -2020 ,ص 74.
4- موسوعة : ويكيبيديا.
5-عبد المجيد دقياني, الصورة الشعرية في شعر بلقاسم خمار, مجلة المخبر, جامعة محمد خيضر, بسكرة, ع3, 2006, ص126.
6- شادية شقروش: سيميائية الخطاب الشعري في ديوان مقام البوح للشاعر عبد الله العشي, عالم الكتب الحديث, أربد, الاردن, ط1, 2010, ص220
7- محمد بنيس, ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب, دار التنوير للطباعة والنشر, ط2, بيروت, لبنان, 1985م, ص101.
Reactions
الـ أنا وعمق المأساة في(صورة شمسية لولد عنيد)
الموسوعة العراقية الكبرى

تعليقات

ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق
    google-playkhamsatmostaqltradent