recent
أخبار ساخنة

في قصيدته - قرب حانة (المرايا)- عبد الحُرّ يؤرخ للجنون وللذكريات.... داود السلمان



في قصيدته - قرب حانة (المرايا)- عبد الحُرّ يؤرخ للجنون وللذكريات
*داود السلمان
   عبارة دائمًا ما نجدها مكتوبة، هنا وهناك: "الجنون فنون" ولا نعلم على وجه الدقة واليقين من الذي صاغ هذه العبارة وتفوّه بها؟. كثير من الشعراء تعرضوا للجنون، بل وفعلا اصيبوا بهذا الداء، وثمة من ارتبط اسمه بالجنون، ومنهم قيس بن الملوّح (مجنون ليلى). كذلك من الشعراء من تصعلك (وهم ايضا كثير) وطفقوا يمثلون دور الجنون على خشبة مسرح الحياة، وصاروا يجيدون هذه اللعبة الجميلة، بل ويعزفون على اوتارها بشغف، ومنهم: جان دمو، وحسين مردان و عقيل علي وغيرهم. كذلك هناك من الشعراء من كتب قصائد كثيرة بشأن الجنون، من عرب ومن عراقيين، وحتى من الغرب. الفيلسوف ميشيل فوكو ارخ حقبة طويلة في تاريخ الجنون، ففي كتابه الموسوم "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي". ذكر في هذا الكتاب المرضى الذين اصيبوا بالجنون، وكيف كانت اوروبا فد تعاملت مع المجانين بموضوع يخلو من الانسانية، لما فيه من قسوة.
   الشاعر منذر عبد الحُرّ خاض في فلسفة الجنون وطعم ذلك بذكريات لا تريد أن تبرح مخيلته، فابدع لنا قصيدة بعنوان "قرب حانة (المرايا)" وقد اهدى هذه القصيدة الى صديقه سلام سرحان، يقول في مطلعه:
  "في الجنون ...
ثمّة ما يؤثّث
وفي العقل ...
ثمّة ما يُكْرَهُ"
   وهذا المقطع الشعري، حقيقة، بقدر ما هو نص شعري، فهو مقولة فلسفية تميز دور العقل في اطار مجتمعات متناقضة، وهناك من يصُاب بالجنون لكنه يبني صروحًا ترتقى ومستوى العقل ذاته، كما نجد ذلك عند الفيلسوف الالماني نيتشة. يريد القول أن المجنون قد يصنع حياة، كما إن ثمة عاقلا يبيد هذه الحياة فهم أعداء الحياة. وكأن الشاعر منذر عبد الحُرّ يناغم ميشيل فوكو في اطروحته بأن المجانين وما تعرضوا له في حقبة مظلمة من تاريخ البشرية.
   وفي هذه المناسبة يقول كلود كيتيل في هذا الاطار: " في تلك العصور القديمة، نادرًا ما نجد حالات من الجنون لها أسباب مرضية أو طرق علاجية ملائمة، بعيدًا عن نطاق التداوي بالسحر والدين. وبالرغم من ذلك، قبل ألفي عام من ميلاد المسيح، عزا المصريون العديد من الاضطرابات النسائية، سواء أكانت جسدية أم نفسية، إلى هجرة الرحم إلى أعلى الجسم؛ مما ينتج عنه حدوث ضيق في التنفس و«اختناق رَحِمِيٍّ» (ما يُقصَد به «الإصابة بالهستيريا»). انطلاقًا من الفرضية القائلة بأن العضو المهاجر يهرب من الروائح الكريهة بينما تجذبه الروائح الطيبة، وساد اعتقاد بضرورة الجمع بين استنشاق روائح غير محببة وتطهير المهبل بالروائح العطرية لإجبار الرحم على العودة إلى موضعه الطبيعي. وهكذا نشأت الهستيريا، والتي أصبحت حقلًا واعدًا على الصعيدين الطبي والاجتماعي للباحثين بهذا المجال". (كلود كيتيل: - تاريخ الجنون- ص 17، الطبعة الاولى لسنة 2010، مؤسسة هنداوي، ترجمة سارة رجائي يوسف وكريستينا سمير فكري).
"حلم ٌ
يربط الهايدبارك
بساحة الأندلس
هكذا يرى سلام سرحان
وهو يطلق رصاص ابتسامته
ويرمي بزّته العسكريّة
في ساحة كهرمانة
ويحلّق ُ عاريا ً
بجناحين من خرافة ٍ
تتبعه ُ
الحسرات ُ
والشتائم ُ
والأسئلة
فثمّة ما ينتظره ُ
في العالم البديل"
و وسط هذه المعمعة، وبين هذه الاغترابات الذهنية والفكرية، كان سلام سرحان يتخايل ثمة "حلمٌ.. يربط الهايدبارك.. بساحة الأندلس" والهايدبارك (هي واحدة من أكبرِ الحدائق الموجودة في مدينةِ لندن عاصمة المملكة المتحدة). فحلمه أن تصبح بغداد وخصوصا الشارع الذي يسير بمحاذاته، وهو متجها الى مقر اتحاد الادباء والكتاب، حلمه (أو قل حلم الشاعر) أن تتحوّل هذه الشوارع والاماكن كحدائق الهايدبارك في لندن، فما هو الضير؟. والحلم هذا حلم انسان يقض، وليس حلم نائم فأحلام النائم هي مجرد اضغاث احلام لا تتحقق الى الواقع.
"سلام ...
أقدامُك في "الأكسفورد"
وخطواتُك في "شارع السعدون"
هل تعلم أنّ "عين لندن"
ترنو إلى صبايا "الكرّادة"
لا تُطل دهشتك
ولا تنتظر انتهاء ضحكتي
كي تبلغني أن المطلق موحش ٌ
وأن الذي هاجمك غاضبا ً من ترفك
هو - ببساطة ٍ- غير مؤثث!"
   يستفز الشاعر (استفزاز ينم عن محبة وعن نوع جميل من العتب) يريد أن ينبهه بإن شوارع بغداد هي افضل من شوارع لندن، بالنسبة للشخص الذي وُلد وعاش وترعرع في هذه الاماكن، وخصوصًا منطقة الكرادة، التي ولد فيها سلام سرحان. فالإنسان الذي يولد ويعيش في بقعة معينة من الارض، يظل يحن لها ويشتاق الى ربوعها اذا ابُعد عنها قسرًا، وتغرب في بلدان نائية. الشاعر عبد الحُرّ يقوم هنا بدور العالم الاجتماعي، فيرى إنّ الروابط الاجتماعية التي كانت تجمع صديقه، قبل أن يذهب الى لندن ويتغرب هناك، يبقى يحن الى تلك الروابط، بين ناسه واهله واصدقائه ومحبوه. وكلما ازدادت الغربة كلما ازداد الحنين الى تلك الاماكن وتلك الذكريات، هذا الحنين لا يمكن أن يجد من يماثله، أو يغنيه عنه أي شاغل يشغل حاضره وواقعه أبدًا، كما يرى قريب من هذا المعنى الروائي والفيلسوف مارسيل بروست في (بحثا عن زمان مفقود).
   ويخيل الي إن الشاعر يحيل اوراق ذاكرة صديقه المعني بهذا النص، يحيلها الى عالم بروست لدراسة فلسفته الوجودية، والتي طرحها من خلال رويته الكبيرة "بحثا عن زمان مفقود"، ليعيد نتاج الزمن الذي عاشه، فيعود الى مرتع صباه، وعهد طفولته. "كي تبلغني أن المطلق موحش" والبعُد عن الوطن هو ضياع موحش، وفراغ روحي وعاطفي لا يسد جوفه الا الاياب.
"دعني ...أستعيد ُ عدّ الدرجات المكسورة
في السلّم المؤدي إلى وهم برجك
مرة ً...
رأيت ُ الثريا
كانت تذرف ُ نجومها
حسرة ً....حسرة ً
وهي تسألني عن طيور منفاك
هل تتذكّر أغنيتك معها
قرب حانة "المرايا" ؟".
   ما زال الخطاب يتجه ازاء المُنادى اليه، والمعني بهذا النص. يذكره بالأيام الخوالي، تلك الايام التي كانا فيها جنبا الى جنب، يعيشا الايام بحلوها ومرّها. ومن تلك الذكريات (وما اكثرها) حينما يمرون قرب حانة "المرايا". وربما يجلسون ويتحاورون هناك، ودائمًا ما كان يدندن بأغنية جميلة كانت لا تفارق شفته. يريد أن يذكره بتلك الايام هل لا تزال تصدح بمخيلته أم عفى عليها الزمن وطواها النسيان؟، فصارت محض خراب امحى الذاكرة التي شاخت بعامل الكبر والشيخوخة، وهموم السنين التي فلتت من محطات العمر.
   وكأنّ الشاعر كل الذي قاله في مقدمة النص ما عاد يجدي نفعًا بالمخُاطب، فأخذ مزيد من الذكريات بكلمات مطرزة بالعتب. 
"تشتعل ُ الصباحات ُ
حين تطلُّ على غرقى البلاد
وتكفهرُّ الوجوه
وهي تفتح ُ الأبواب على وحش الشمس
تلك التي تذكّر بالسكاكين المهددة لرقابنا".
   بطبيعة الحال، إنّ الذي يعيش الغربة يصبح تائه اللب محتار الفكر مشغول البال، وجُل تفكيره ينشد الى اهله وذويه، فيحن الى شم تراب موطنه الذي فارقه، وقد يصاب بالهومسك، والكثير لا يتحمل الفراق. والذين عاشوا التغرب يعون ويدركون داء التغرب، وقد ذاقوا لوعته، وعاهته المستديمة، فالتغرب والبعاد هما اشد من وقعة السكين التي تناغم رقبة المذبوح. "تلك التي تذكّر بالسكاكين المهددة لرقابنا".
   وهذا المقطع يحيلنا الى رسالة بعث بها زكي بمارك الى صديقه فؤاد يوم كان مبارك في باريس. وهي رسالة طويلة نجتز منها هذا المقطع كشاهد لما نحن بصدده:
   "فما عسى أن تكون تلك الوحشة القاتلة التي لا تفتأ تغزو قلبي وتفتك بأحشائي؟ وما مصدر تلك الأشجان التي لا أتذكرها إلا فزعت يوم كان المترو يشارف محطة الحمامات ثم يغادرها إلى كوبري الليمون، وأروع ما كنت أقاسي في تلك المنطقة كان يقع في اللحظات الدامية، لحظات الغروب حين تواجهني الشمس بتسليمة التوديع، والشفق من حولها يشبه الخدود الداميات، إنها لحظات مفزعة مخيفة كان قلبي يجتازها في وجيب وخفوق، وكنت فيها أشعر الناس إن كانت حقيقة الشعر أنه وجد وإحساس لا قوافٍ وأوزان". (زكي مبارك – ذكريات باريس – ص 195، طبعة مصر لسنة 2012).
"كنا....
جمعا ً تفرّقه ُ النهارات في الأقبية
وتجمعه الليالي في اللوعة
لنا أسرارنا ..
بعضها يفيض دمعا ً
أو أغنيات ٍ
أو صرخات جرح ٍ
كنت َ شمعة ً
تكابر ُ
وتضيء
وتذوي بصمت ٍ
لكنك تحرق ُ قلاع اللغة
وتمضي لحقولك
تزرع فسائل الجنون
وتسقيها من خمر روحك
هل تتذكر صورة "دوريان جراي"
التي طبعها ستّار كاووش في خيالك
ليجعل منك قصيدة ملوّنة َ؟
نعم...
ضاعت اللوحة...
لكن ملامحها قادتك للحياة البديلة..."
   ويستمر الشاعر في تذكير صديقه بالساعات والايام الجميلة، واذ كانا يتناصفان المرح المزهو بالضحك والابتسام، وهم يجوبا الطرق والاماكن في صباحات ومساءات، ليستنشقا عبير تلك الاماكن، مصحوبة بالاحاديث وبالذكريات السالفة.
حتى يختم بقوله:
"في حياتنا...
ثمّة ما يستحق الألم...
ثمّة ما يستحق المغامرة"
   الانسان هو مخلوق مغامر، يغامر بأشيائه، يغامر بسعادته، يغامر بروحه، يغامر بأمور هي عزيزة على قلبه؛ حيث أنه يعتقد أنّ تلك المغامرات تشعره بوجوده. "ثمّة ما يستحق المغامرة". 
   في كتابه (مغامرة العقل الاولى) للباحث السوري فراس السواح، قد نجد بعض الشيء الذي عناه الشاعر منذر عبد الحُرّ في قصيدته هذه.
google-playkhamsatmostaqltradent