recent
أخبار ساخنة

ثقافة التسامح والرفق في شعر عبد السادة البصري

ثقافة التسامح والرفق في شعر عبد السادة البصري
(بقلم: عبد الهادي الطهمازي. أستاذ النحو والبلاغة في جامعة الصدر في النجف الأشرف، وجامعة أهل البيت في قم) 
ثمة تيار أدبي دخل الساحة الثقافية منذ عقود، وقد تمثل هذا التيار بخلع كل القيود الفراهيدية المتبعة في القصيدة الكلاسيكية، فقد خلع بعض الشعراء في منتصف القرن الماضي عنان القصيدة الأول أعني الوزن على يد بعض الشعراء العراقيين كبدر شاكر السياب ونازك الملائكة والبياتي وغيرهم.
ثم جاء المحدثون ليكسروا القيد الفراهيدي الثاني للخروج بالقصيدة الى عالم مغاير لما رسمه الخليل الفراهيدي، وكانت الكرة هذه المرة على القافية، ومن أشهر رواد هذه المدرسة الأدبية الشاعر أدونيس والغنامي وغيرهم الكثير.
وانقسم الوسط الثقافي إزاء هذا اللون الأدبي بين مؤيد ومعارض، فأنزله البعض من درجة الشعر الى مستوى الخواطر، فيما أطلق عليه آخرون مسميات عديدة، منها: قصيدة النثر، والشعر الرمزي الى غير ذلك من المسميات.
وكان من أكثر الناس شقاءا به هم النقاد، فقد قلب هذا اللون من الشعر قواعدهم ومقاييسهم التي يزنون بها جودة الشعر من راءته.
وأيا كان الأمر فقد فرض هذا التيار الأدبي نفسه على الساحة، وغدا له عشاق وجمهور، فما على النقاد إلا التماس طريق آخر في النقد للوصول الى عوالم قصيدة النثر.
ويسهل الأمر إذا اعتمد الناقد في منطق فهم النص (الهرمونطيق، أو علم تأويل الخطابات) على نظرية فريدريك شماخر حيث تلقي هذه النظرية مسؤولية فهم النص على عهدة المتلقي، فهو المسؤول عن فك رموزها حسب فهمه، وإن لم يقصد منشأ النص ذاك المعنى.
وشاعرنا الأستاذ عبد السادة البصري ينحى هذا النحو الحداثوي في إنشاء القصيدة أو المقطوعة الشعرية ملقيا بكلا ركنيها (الوزن والقافية) جانبا، ليحلق مع القارئ في جو آخر بعيدة عن تلك القيود ليوصل الفكرة المرموزة الى القارئ بيسر.
لقد استوقفتني في قصائد الشاعر عبد السادة البصري ظاهرة عزف على وترها كثيرا، لما يرى من آثار نكباتها على مجتمعه، فقد خلفت الحروب والأزمات الأمنية ظاهرة العنف بلونيه اللفظي والجسدي في المجتمع العراقي، فصرنا كما يقول شاعرنا:
أفراحنا رصاص

أحزاننا رصاص
حواراتنا رصاص
وكل ما في يومنا رصاص......
يا الهي..........من أية طينة رصاصية جبلنا ؟؟؟؟!!!!!
إنه يدق على سندان التثقيف للتسامح والرفق، واستبدال لغة العنف وأدواته، وثقافة الكراهية التي خلفتها أزماتنا النفسية والأمنية.
وهي محاولة موفقة في نظري تعبر عما يكتنزه الشاعر من حس إنساني وشعور بمسؤولية المثقف تجاه شعبه وأمته، يحاول أن يترجمه في أشعاره الى واقع يترسخ بمرور الأيام.
ويصور لنا الشاعر في قصيدة أخرى واقعنا الأليم وما تركته الحروب من آثار في الماديات والمعنويات مرمزا لذلك بخوذة العسكري، ثم يلمع بأن أدوات القتل والعنف يجب أن تستبدل بثقافة زراعة الورد، واحتضان الطبيعة الجميلة، يقول:
الخوذة التي عثر عليها 
ابني الصغير،
عند ازدحام الرؤى.......
لم يتركها فارغة،
ملأ جوفها بالتراب،
زرع فيها بذرتين ،
ثم سقاهما محبة دائمة
نبتت البذرتان............ وأورقتا !!!!!
ويحاول الشاعر أن يحلق في مقطوعات أخرى الى عالم السعادة ويحلم بغد مشرق تغطي الشمس فيه ربوع وطنه، لكن يبدو أن تركه القسري لمدينته وما عانته من ألم الحروب، يجعل شعره يكتسي بطابع الحزن مرة أخرى: 
حلقت فوق الأماني العصافير
أنى للحمامات اغتراف الفضاء
الفضاء امتلاك الأغاني
الفضاء اصفرار الأماني 
احتفاء النجوم بليل التوجس!!!
وفي مقطع آخر
استمري..
استمري بالتحليق
 أيتها الطيور المهاجرة
البحر سرق المقلتين
والأمواج سرقت لآليء الشمس!!!!
وفي مقطع ثالث:
الناس.....ما للناس ؟؟!!
ينتبذون مكانهم الشرقي المرسوم
صوب الشموس المحيطة بالنفس واجمة
ويغلفون أيامهم بالغمام؟؟؟!!!
نتمنى للشاعر الأستاذ عبد السادة البصري التوفيق في مسعاه، فهو مسعى إنساني وأخلاقي بالدرجة الأساس، ولا يهم بعد ذلك القالب الأدبي الذي يصوغ به أفكاره، فالغاية تبرر الوسيلة، ومن المؤسف أني لم أطالع إصدارات الشاعر الأدبية واكتفيت بهذه العجالة على ما نشره على صفحته الأنيقة في الفيس بوك.
google-playkhamsatmostaqltradent