recent
أخبار ساخنة

كشف التأريخ المغيب قصيده سيرح لجبار الكواز أنموذجا .مقاربة نقدية بقلم عبدالحسين العبيدي

كشف التأريخ المغيب قصيده سيرح لجبار الكواز أنموذجا .
مقاربة نقدية 
تتحول قصيدة النثر , باعتبارها نصا إبداعيا , الى نص معرفي , فتكون دافعا لمزيد من البحث والتقصي والقراءة بشكل عام , فتصبح محرضا ثقافيا يساهم في تشكيل وعي المتلقي عبر تناصاتها و رموزها .وقد تأسست بنيتها من السرد ذو المنسوب المرتفع , بعد ضخه بجرعة عالية من الشعر ( وهي مكرسه لأن تحدث بالقاريء رعشة شعرية أنية ) مشيل ساندرا , قراءة في قصيدة النثر .. ويسعى الادب احيانا الي استنطاق تأريخ المكان المحلي عبر استدراج بعض شخوصه كرموز مجتمعية لذلك التأريخ وكجزء بارز و استثنائي من تاريخ المدينة , فيتخلى المكان عن واجبه كديكور ويصبح حاويا للمادة الحكائية وتلاحق الأحداث ويتحول الى مكون اساسي في النص و على حد قول باختين , كل ظاهرة اجتماعية هي ظاهرة تاريخية .
 وقد ساهم ادباء الحلة في هذا الجهد لتقصي تأريخ المدينة ومنهم الشاعر جبار الكواز الذي اغرم ببيئته المحلية التي ترعرع فيها فراح منذ( ورقة الحلة ) يستلهم تفاصيلها ويتعامل معها كمفردات شعرية اثيرة لدية جذرت حميمية القصيدة ومنحتها ألفه و ايقاعا عاليا وكشفت تاريخا مضمرا ( ان المكان في مقصورته المغلقة التي لا حصر لها , يحتوي على الزمن مكثفا , وهذه هي وظيفة المكان / غاستون بلاشر , جماليات المكان ). ان تناول الادب لمرحله معينه من تاريخ بلد ما سيسهم في سد الثغرات التي اهملها التأريخ الرسمي الذي ينتقي الاحداث والشخصيات ويتجاوز المهمشين .
وفي قصيدة سيرح ..
حيث قام العنوان بأعتباره علامة لسانيه , بتحديد مضمون شامل للنص, وقد عرَّف لوي هويك العنوان ( هو مجموعة من العلامات اللسانية التي تظهر على رأس نص ما قصد تعينه وتحديد مضمونه الشامل وكذلك جذب الجمهور المستهدف / نقلا عن النص الموازي , عتبات النص الادبي , جميل حمداوي )
وتأتي قصيدة ( سيرح ) حيث (ان كل قصيدة هي حكاية لأحداث سابقة او حالية أو أتية كما ينقل جيرار جينت عن أفلاطون)
 التقاطا لتفاصيل مغيبة كمؤشر دلالي لاهتمام الشاعر ببيئته المحلية كحاضنه معرفية لتأريخ مهمل .فالأديب ساردا كان ام شاعرا فأن اول ما يمر بباله احداث تفاعل معها اكثر من الاحداث التي يبتكرها الخيال ودائما ما تكون سنوات الطفولة والشباب المبكر لها الاسبقية باعتبارها طاقات وخبرات اولى تطورت لاحقا بتقدم العمر / كما يقول الروائي السوداني امير تاج السر / فهو يقرأ الاحداث بعينيين الاولى واقعية والثانية تخيلية , ليعيد كتابتها بطريقة فنية . ولقد اعتمد الشاعر على ذاكرته لاستنهاض تأريخ منسي , في تخليق قصيدة سيرح أخر يهود الحلة الذين لازالت أثاراهم تملأ المدينة وكانوا فاعلين اقتصاديا وتركوا بصماتهم في الادب بأعتبارهم مواطنون ( عراقيون / حليون). فالمكان نتاج اجتماعي يتشكل جراء الانشطة الانسانية المؤثرة فيه ويسهم في تحديد هوية الانسان الذي يسعى لتأثير فيه / غازي سلمان / الحوار المتمدن . 
سارة او سيريح كما تسمى شعبيا المرأة اليهودية التي رفضت الترحيل وقاومت الوحشة وتخلت عن جذورها 0 حيث يعزوها البعض الى حبها لشاب مسلم من اهل محلة المهدية او الجباويين وقد رفضته اسرتها حينما تقدم لخطبتها ) لتدفن قي سبعينيات القرن الماضي في مقبرة اليهود / جامعة الحلة الدينية حاليا , هي {رقيم بشري ] سعى الشاعر لاستنطاقه و فك شفرته لتقصي المضمر التاريخي و المعرفي في حاضنته الاجتماعية . .( فكل عمل فني مرتبط على الدوام بشخصية الفنان , والعمل الفني من حيث هو أبداع , من حيث هو "صناعة الانسان " هو ثمرة الروح , ومن ثمة هو فعل لا يتجزأ . بيرسي لوبوك , صنعة الرواية . ( فالموسوية / العانس / الحسناء / الشهلاء / النهداء /الغيداء / الغانجة / الفياضة / الزكية ) /هكذا تراها عيون الشاعر . ولقد رأيتها انا (في حسن أفل / لم يكن سر جمالها ياقوت / ولا ملامحها بيت عنكبوت ) كانت ضامرة منحنية يعرفها قدماء السوق الكبير ويساعدونها على ارتقاء درجات السلم الحجري الاربع في طريقها الى بيتها في ( عكد اليهود ) . تضع على رأسها عباءتها السوداء كالعراقيات المسلمات , ولكن (عباءتها لم تكن بابا ) ( الباب بهاء ) حيث يحيلنا هذا المقطع بإشارة بارعة الى الديانة البهائية , وهي احدى الديانات الأرضية التوحيدية , التي نشأت في شيراز ويعتقد البهائيون بوجود جذور لديانتهم في الدين الاسلامي / ويكيبيديا .فهذه العباءة لم تكن رمزا أو دلالة للمرأة الموسوية على تغيير وجهتها العقائدية بل هي حبا و اندماجا بالوسط الاجتماعي واحتراما لخصوصياته .
 و سيرح او سارة التي كانت / تتلصص في الغبش المصلوب على نافذتها / كعود ثقاب نائم في الاسفار/ فمفردة عود ثقاب كعلامة سيميائية تحيل على الإضاءة لا على الحرق رغم انه احد مصاديقها , فترقب سير الحياة التي شاركت فيها بممتلكاته الشخصية كرمز وهي / حين أهدت عباءتها لعليا وعصام /وهو اسم لفلم عراقي كتبه ابن ملتها الاديب أنور شاؤول عن مسرحية روميو وجوليت لشكسبير تمثيل سليمة مراد , ابراهيم جلال وجعفر السعدي سنة 1948 .كما وأهدت مرآتها لعنترة وعبلة , وخفها لفريد الاطرش وقنديلها لأحدب نوتردام . وهذه المضاهاة مع قصص حب غير مثمرة سعى الشاعر عبرها للتعبير عن هوية وتسامح وتفاعل هذا المكون الديني والمساهمة في الحياة العامة , رغم ان هذه المساهمة لم تُجدِ الموسوية بشيء رغم ان مساهمتها وجهودها لم تنحصر عراقيا وعربيا بل امتدت لأفاق ابعد .ويحيلنا التشبيه حينما / يتقاطع مع الكناية و الاستعارة الى صور متشابهة مع صور متجاوزه /جميل حمداوي وتعمد خاصية التتابع الى خلق نوع من الحركة الدرامية داخل النص . فيتعقب الشاعر تأريخ بطلة قصيدة فيعود بنا الى ما قبل التأريخ حيث السبي البابلي من قبل الملك البابلي نبوخذ نصر / وحين مشت على استحياء / لتفتح اسئلة التيه / اسئلة بابل اكلها الاسد والاكيتو راحل .لقد سعى التناص هنا مع الوقائع التاريخية التي تشكل مرجعيات معرفيه لتحقيق وابراز الغائية الشعرية من القصيدة في الغوص الى جذور الواقع لهذه الطائفة وكونها ليست طارئة على البلد , اذ كان سبب وجودها حضارة قاهرة سادت وانتجت تاريخا كبيرا , وواقعا اجتماعيا ظل سائدا منذ ما قبل التأريخ . فالتضاد الحاصل بين , اكلها الاسد والاكيتو راحل , وهو عيد رأس السنة البابلية لأظهار مدى الخسارة التاريخية للسبي على الطائفة عبر ممثلتهم سارة او سيرح 
التي هي رمز لهذه الخسارة عبر خسارتها الذاتية نتيجة لبقائها بعيدة عن عائلتها وعشيرتها ( ومرآتها مسكت ضفائرها نكاية بالرجال / وازاحت أسرارهم بالجواري ) . ان قراءة عمل أدبي مرتبط بمكان جغرافي معين , ينبغي ان يتحول الى أعادة تركيب علاقة الانسان بالمكان / علي عبد الرزاق الرواية والمكان والانسان .وهذا ما سعى اليه الشاعر في قصيدة سيرح ,فقد قام بأستقراء علاقة المرأة اليهودية بالزمكان وعلاقتها المتشكلة عبرهما مع محيطها الاجتماعي بعد هجرة عائلتها ./ لقد تحول الشاعر هنا الى سارد لأحداث زامنها متجنبا الوقوع في شرك النص الوجداني المعبر عن الذات معتمدما تتابع الاحداث / فتغير مستوى الاداء الشعري تبعا لمضامينها ليتحدث عن الانا المتألمه ويواسيها / عن السرد والايقاع في قصيدة النثر /
أن سيرح لم تكن أمرأة عادية بل شخصية متمردة على قيم يهوديتها وواقعها المسلم . تميزت بالقوة والتجاوز فامرأة تبقى وحيدة , في زمن ينظر لبنات جنسها نظرة غير مشجعة في مجتمع لا يسعى للسير الى الامام . ولكن ما الذي ابقى الموسوية هنا بعيدا عن أهلها الاقربون ؟ هل كانت تأمل بعودتهم قريبا وظلت حارسة على املاكهم ؟ أم كانت تأمل بالزواج من حبيبها المسلم , كما يظنون ؟ أم حبها للبيئة التي ولدت فيها ؟ اسئلة اختفت معها ولم تشغل القصيدة بالها فيها . ولكن للإجابة عن أين هي الان ؟ يقدم النص مجموعة من الاحتمالات ( باب حطة ام شجرة زقوم ) ( ترانيم فاختة ام نعيب غراب ) ( لهاث جياد ام صلاة نشور ) .
ورغم ان الشعر لم يعد يثير اهتماما لدى المتلقي , وهذا ليس حدثا جديدا فقد أشتكى جبرا ابراهيم جبرا من ذلك حين قال ( كان الجواهري اذا كتب قصيدة العراق كله يهتز . اليوم الف واحد يكتب الف قصيدة ولا احد يهتز ) لكن قصيدة سيرح قدمت كشفا لعله يحرض الاخرين على استكناه تأريخ مقموع لطائفة اصيلة .ولعل اشتغال الشاعر جبار الكواز على الحلة كموضوع أثير لديه كما في قصيدة ( العودة الى الحلة / لم تغادرها الاماني في صباحات فيروز /وعتباتها تمشي على استحياء /وهي تحتضن ارواحنا في قفص الظلال /ادخلها بالخوف / ومنذ رضاعة دخلتها بالدهشة /والان / الان / الااااااااان/ لا دخول لها ) . 0أو في نص أخر ( وحين درت عكس عقرب ساعة البلدية , كُشف عن عيني الغطاء ... ياااه كم موتا مر وهي تراقب الخراب ).يستدعي اهتما اشد . النجاح الدائم
google-playkhamsatmostaqltradent