recent
أخبار ساخنة

القلق الوجودي في (أيُّها الترابيُّ) للشاعر جبار الكواز (مقال نقدي) داود السلمان

القلق الوجودي في (أيُّها الترابيُّ) للشاعر جبار الكواز (مقال نقدي)
*داود السلمان
    يبدأ الشاعر جبار الكواز استعراض نصه على مسرح الحياة، التي نعيشها اليوم، إذ يبدأ أولاً، بجعل عنوان النص (أيُّها الترابيُّ). والترابي هو المنسوب الى (التراب) والمقصود به الانسان، باعتبار إن الانسان مخلوق من تراب، بحسب الاديان الابراهيمية الثلاث، (خلقنا الإنسان من سلالة من طين) والطين هو التراب الممزوج بالماء. والخطاب، ايضًا، قد يكون خاص، وقد يكون عام. والذي يهمنا هنا في هذا التحليل، هو المعنى العام، وامّا المعنى الخاص فنتركه لصاحب النص نفسه. 
"حين ارى اوراقي
 تكتبُ ما اقترفتُهُ 
من ذكرياتٍ.
كيف استدعي النسيانَ
ليكونَ لائقاً بضفتينِ من موت؟ !
وبجسرٍ خشبيٍّ تئنُّ اضلاعُه كلّما عبرَه العشاقُ"
   اوراق العمر تبدأ بتصفحها غبار السنين، عندما يشرف العمر على الاضمحلال، خصوصًا حينما يرتقي الانسان صروح الهرم، وتعصف به رياح الكبر، ويملأ الشيب مفرقه، إذ يسير على عكاز، فينقل خطواته الوئيدة على جادة الغياب، بحذر شديد، كأنه يعود الى عهد الطفولة، يوم كان لا يدرك كنه الحياة ولا يعي معنى الوجود. والانسان بمعنى آخر، يظل متشبثا في ذكرياته، يحن الى الماضي، ويعد ذلك الماضي صورة جميلة مشرقة من صور حياته، وجماليتها تكمن في الطفولة ذاتها، تلك الطفولة التي طالما رسمنا فيها لوحات تشكيلية خيالية، لا تزال عالقة (برامram - ) ذاكرتنا تلك، رغم إن ذاكرتنا اليوم شاخت ودخلت ارذل العمر.
   وكأن الشاعر نادمًا على تلك الحقبة التي عاشها مع اترابه، او إنه لم يستثمرها، وفاته منها اشياء كثيرة لم يحققها، فاكتشف إنه قصّر في قضايا، يتحتم عليه تحقيقها قبل فوات الاوان.
"لستَ اولَّ العابرينَ
ولا آخرَ العائدينَ
ولكنّني منذُ أن استلقى النهرُ على قفاهُ 
وهو يشيرُ لي غاضباً 
ايّها الواقفُ في سرّةِ الغيابِ
لم تكنْ يوماً محضَ حضورٍ
ولم تكنْ نصوصُك سوى
طلاسمَ سحرةٍ"
   فالشاعر يبدأ في سلسلة طويلة من القلق النفسي، يخاطب الوجود، ويشكو عتابه الى النهر، لأن النهر يمثل الحياة - العطاء، فهو المجرى الذي تصب فيه المياه، فلولا الماء لم تكن ثمة حياة، ولولا النهر لم يكن موصل يقوم بعملية ايصال الماء بهدف تغذية هذه الحياة، فهي بدون الماء تجف وتصبح يباباً. وهنا يبدأ القلق الوجودي لدى الشاعر (يشير مصطلح القلق في الفلسفة الوجودية إلى مشاعر عدم الارتياح تجاه الاختيار والحرية في الحياة). ويفضي هذا القلق الى خوف وحيرة في ذات الوقت، ينتج عن ذلك نوع من التذمر وعدم الاستقرار النفسي والفكري. يحاول الشاعر أن يتخلص منه لكن دون جدوى. ومثل كذا حاله عالجها كثير من علماء النفس، ووصلوا بذلك الى نتائج وصفوها بالناجحة والمثمرة. "اذا كان الخوف من خطر محدد، نعرف عندها كيف نستجيب. ولكن عندما نبحث عن مصدر قلقنا لا نجد سيئا. وعندما نحاول القبض على هذا الرعب غير المفهوم وغير القابل للتفسير فإنه ينزلق بعيدًا. نحاول بشكل يائس أن نوضع قلقنا العائم في مخاوف محسوسة او ملموسة... فالمخاوف المفهومة تسوّغ حشد الطاقات والعدوان، والقوة مطلوبة احيانا لحسم المواقف المهدد". (جيمس بارك- القلق الوجودي- ص: 34، ترجمة الدكتور سلمان كيوش، المركز العلمي العراقي- بغداد).
    لهذا، يرى الشاعر – جبار الكواز- إنّ القلق والمخاوف التي تصحبه، لا تجد نفعًا، فعليك أن تواصل الطريق الذي رسمته لنفسك، بقطع الفيافي ، لكن احذر الانزلاق والمطبات، وانتبه الى نفسك وانت في حالة سير متباطئ، وعدم استقرار، كأن توازنك في حالة خذلان، يريد أن يخونك، فقط ينتظر الفرصة السانحة، والضعف المتباين والارباع غير المقصود، الدال على تخوّف كامن في اعماقك.
"وعقابيلَ مجانين
فكنْ كما انتَ ترابياَ 
لا تنفعُكَ ادعاءاتُك في السيرِ
وراءَ ظلالِ الزوالِ
اشترِ خاتماً من صرّةِ السوادِ
وضعْ تحتَ جناحيكَ غيمةً 
فلم تعدِ الامطارُ تخفي لمعانَ لسانِكَ
ولا انينَ خطاكَ
ولا مواجعَ حروفِكَ"
   فلا مناص إذن، اذا أنت لم تلتزم بهذه النصيحة (ايّها الترابيُّ) ولم ترعو عن ركوب رأيك، فالمخاطر تحف بك من جميع الجهات وانت سادرًا في غيك، كأنك تعيش في غير هذا الزمن، وفي غير هذا المكان، وكأنك مفصول عن عالمك هذا آلاف السنين العجاف، تنتظر من يأخذ بيدك الى الضفة الاخرى، وينتشلك من واقعك هذا، ويضعك على جادة الصواب. 
    لماذا تبقى متعلقا بين الماضي والحاضر؟. فكرّ قليلا في عقلك كي تهتدي الى طريق لاحب. "إن العقل نابض قادر على القذف بنا الى الماضي، الى الاشياء التي نحبها، بحيث يستمر تأثيرها مرضيا للغاية. واذا امكن استخدام العقل جيدا، أمكن أن ينشد بنا الى الحياة عشرة اضعاف. لكن العقل لسوء الحظ، نابض ضعيف، غير قادر على تحريك ثقل عواطفنا وردود الفعل لدينا" (كولن ويلسن – رجل بلا ظل: 132، بترجمة خلدون الشمعة).
"ايّها الترابيُّ
وانتَ تصرُّ على النسيانِ
وهو ذكرى من أصدافٍ نخرةٍ
وذهبٍ مغشوشٍ
ونصوصٍ منحولاتٍ.
لا انتَ ترتدي وسادةَ ايامٍ قادماتٍ
ولا انتَ 
انتَ" 
   وكل هذا وأنت تصر على النسيان، وتراهن على انتصارك على هزيمة واقعك هذا، مع علمك بإن ذلك من المحال، لأن كل شيء من حول آيل للخراب وللسقوط معا، "من ذهب مغشوش، ونصوص منحولات" فكل ما تعلمته هو اكاذيب ومحض ادعاء، تاريخك لا ينسجم واليوم، تفاهات وترهات بنيت عليها صروحك الواهية. لذلك فأنت مخدوع كونك متعلق بالماضي، لا تستطيع الفكاك منه، لأنك جعلت منه حقائق ساطعة، والدليل تخلفك، بينما العالم من حولك ينشد الآفاق، ويروم الارتقاء اكثر مما ترى عيناك من تقدم هائل في كل شيء، ليتك تطيع عقلك وتترك عواطفك، ولا تستمع الى ما هم دون مستواك الفكري والذهني، وتجعل ما بينك وبينهم بُعد السماء عن الارض، لأنهم غشوك ولازالوا يغشونك، في سبيل مصالهم، فأنت تكد وتسعى وتنتج وتبدع، وهم يكسبونه على الحاضر، يريدون منك أن لا تفكر ولا تعلم ما يجري من حولك من امور لو اطلعت عليها لوليت هاربًا، يقولون لك لا تفكر، اترك لنا أن نفكر بالنيابة عنك، و استرح من علة التفكير والبحث عن الحقيقة، لأن الغرض هذا يتعب فكرك الغض، وبالتالي قد تصاب بلوثة عقلية لا يحمد عقباها.  
"فمن يبيعُك ينبوعاً صديئا
لتمحوَ بترابِك ما علقَ فيهِ
من امانٍ خربةٍ
وبياضٍ لم يكنْ الّا سواداً ماكثاً
في مروجٍ قلقِكَ واحزانٍكَ؟
فلا تدعْ تأويلَكَ يغلبُكَ
كما الماضي
لتغنيَّ السوادَ 
قائلاً: كنْ بياضاً أيّها المتخفيّ بينَ أصابعي
واصمتْ"
   فبرغم سوداوية هذا المقطع من النص، لكن سيجد القارئ بعض الوميض من الامل الذي يطفو على سطح النص، بجلباب من اثواب الربيع، يزيّن منظره و يزيح السوداوية عن كاهل القارئ، وتشنج المعنى داخل النص ذاته. هذه الفسحة من الامل، تعطي القارئ التفكير البوهيمي بالعودة الى اعادة النظر بالماضي بهدف تشريحه بمشرحة الواقع الذي يعيشه الانسان في الوقت الراهن (فلا تدعْ تأويلَكَ يغلبُكَ) فأحيانا الانسان تشطح به التأويلات، فيفسر ما تمر به من احداث، بغير المعنى الذي يراه غيره، بمعنى آخر المتشائم يرى جميع ما يصادفه بنظرة سوداوية قاتمة، وبعكسه تماما، الرجل المتفائل، ولنأخذ على سبيل المثال الشاعر الكبير ابي العلاء المعري، وهو سيد المتشائمين بلا منازع، فهو ينظر الى الحياة، بصورة عامة من زاويته هو، لا من زاوية غيره، من الشعراء، ومن الفلاسفة، ولا يثق حتى بالزمن، ويرمي كل مصائبنا على عاتق آبائنا، لأنهم لم يفكروا بمصيرنا حينما خلفونا، وجاؤوا بنا لهذه الحياة.
"لستَ اولَّ كاذبٍ بخدعةِ الالوانِ
ولستَ آخرَ مكذوبٍ 
عليهِ
بالنسيانِ
ايّها المستريبُ ممّا يأتي
ولن يأتيَ
تذكرْ جيداً
ايُّها الترابيّ".
   الشاعر الكواز، كأني اراه هنا، يخاطب المعري، كما ذكرنا قبل قليل: (لستَ اولَّ كاذبٍ بخدعةِ الالوانِ) فالمعري لم يخرج من رحم امه وهو اعمى لا يبصر النور، بل كان قد أصُيب بمرض الجدري وهو بعمر ثلاث سنوات، فكان لا يدرك من الالوان الا اللون الاحمر، وبالتالي اتخذ الجانب التشاؤمي.
   "ايّها المستريبُ ممّا يأتي" فالريبة والشك هما فلسفة حياة، وشكسبير كان سابق للفيلسوف الفرنسي رينييه ديكارت في فلسفة الشك، ومن الملاحظ في كثير من مسرحياته، يؤكد شكسبير على جانب الشك، وذلك من خلال حوارات ابطال مسرحياته. وكأن الكواز في نصه هذا يريد البوح في الفلسفة الشكية، ونأخذ بعين الاعتبار إن الشك لا يُعد جانبًا مظلمًا في الحياة، او يسيء للأطر الدينية، ابدًا، بل إن الشك يفضي بالتالي الى الايان، او الوصول الى الحقيقة. الم يكن ابي حامد الغزالي عصفت به رياح الشك، ثم عاد الثقة بالإيمان؟.
google-playkhamsatmostaqltradent