recent
أخبار ساخنة

محنة الاقدام الكاذبة جدل التنوير والايديولوجيا

محنة الاقدام الكاذبة جدل التنوير والايديولوجيا 

  

في "محنة الاقدام الكاذبة" للناقد والمفكر جمال جاسم امين، ثمة ما هو أبعد من فكرة الجدل، وما هو أعمق من حفريات تختص بالجدل الذي يخوض في فكرتين تتصارعان منذ بواكير عصر النهضة. صراع بين متوازيين لا يخطئان بعضهما وهما : التمسك بالعقائد والاديان واقحامهما في حياة المرء بطريقة دوغمائية متعسفة. والثاني سيتجسد بالضد النوعي لهذا الاستبداد وهو النزوع للمعرفة بمواجهة الغيبيات واليقينيات حتى وإن بدا خطابها متطرفا وتعسفياً هو الاخر.. فضلا عن ان العنوان لايوحي بأي نوع من الحلول، وانه مخضّب بمشكلات الطريق، اقول على الرغم من هذا، ثمة حلول ومكاشفات يمكننا عدّها مقاربات لحلول معقولة تجري في هذا الكتاب الذي يفصح ان الحلول يجب تتجه الى قول ما تتستر عليه القوى الفاعلة في المحنة العراقية.، القول الذي يكشف ويشير ويجترح الحقيقة كلها، وان على الاقدام ان تكون حقيقية في اتجاهها صوب الطريق وان لا تكون اقداما كاذبة. هذه الخطاطة العامة هي التي سترغمنا على الخوض في تفاصيلها ونحن نتتبع وقع الخطى التي لا تريد ان تخطيء الطريق باعتبارات خطورة المحنة.. إذ ينبغي على الاقدام ان تكون اكثر حذراً كلما اصطدمت بالمنعطفات التاريخية وليس العكس.
بين التالف وبدائل الثقافة.
جمال جاسم امين يؤسس لمشروع فكري ومعرفي يجري تحت مظلة عنوان رئيس كان قد بدأه بفكرة البديل الثقافي منذ مطلع العام 2005 : }استبدال التالف من خطابنا الثقافي بخطاب بديل اكثر جدوى ونفعا{، الأمر الذي يتطلّب أن نكون أمام تحديات ثقافية ومعرفية مصيرية وجريئة، وذات مماحكات غاية في الخطورة بسبب من سعيها لإعادة انتاج الاسئلة الكونية ومن ثم فتح جدل كثيف وصاخب بين الثقافة البالية وبين الفكر التنويري الذي يجب ان يسود ويتحقق بالاستناد الى حراجة الراهن واهميته في حياة الشعوب. ومنها بطبيعة الحال النخبة العراقية او سوادها الاعظم... ضمن هذا الاستبدال الثقافي بوصفه عنواناً عريضاً وطاغياً انتج "امين" كتاباً واحداً يتجزّأ الى مباحث عديدة ابتداء من : مقهى سقراط، الازمة المفتوحة، اساطير الاستبداد، وتنتهي هذه المباحث عند تخوم المبحث الجديد "محنة الاقدام الكاذبة"، وبتقديري الشخصي البسيط، كل هذه المباحث تنتظم تحت أفق وتنظيرات رؤية البديل الثقافي وهو العنوان الرئيس للكتاب – كتابٌ واحد يتفرّع الى مباحث مهمة -، كل واحد منها يشكل جدلاً واسعاً وكبيراً في السوسيولوجيا العراقية سياسياً واجتماعياً ودينياً واقتصادياً، بقطع النظر عن ايمان الكاتب باستقلالية كل مبحثٍ منها بوصفه كتاباً يختص بفكرة معينة أو بمشروع محدد.. عندي انه كتاب واحد تتشابك فيه طروحات أمين ويمتد بعضُها الى بعض. و"محنة الاقدام الكاذبة" الذي نحن بصدده الان، آخر هذه المباحث، جدير بالإنتباه وجدير بالفحص والقراءة والتحليل.، باعتباره يمثل ذروة الجدل الذي بدأه في جميع المباحث المذكورة.
بودي أن أشير الى أهمية التفكير العميق بوجود بدائل للخطاب الثقافي بعد سنوات طويلة من تكرار وتناسخ أكثر من خطاب يعتمد الأنسنة ويحاول ان يشكل نسقاً عميقاً في جسد البلادة التي تحيط الانسانية كلها، لا العراق وحده..
يشير المفكر الاميركي نعوم تشومسكي بما يتوافق مع فكرة مشروع البديل الثقافي : إن المثقفين لا ينبغي لهم أن يكتفوا بـ"التعرض بالإدانة للسلطة" ولا أن يقتصروا على استعراض نظرياتهم برصفها بعضها الى جانب بعض، بل ينبغي ان يأتوا ببدائل اساسية، وان يستفرغوا الجهد في ما من شأنه أن يمكّن من الدفع بتلك البدائل نحو التحقق"(2) إذ ان السعي نحو فكرة البديل الثقافي ستتوافق عليه طروحات العديد من المفكرين باعتباره ضرورة ملحة من ضرورات التنوير والتصدي للتخريف والافكار البالية غير النافعة. اي ان فكرة ايجاد البديل وممارسته ثقافياً صارت بطبيعة الحال واحدة من اجراءات التثاقف وربما من اهمها على الاطلاق.، بعد ان شهدت الثقافة عقوداً من السكون الذي لن يفضي الى شيء، بل ويعزز فكرة انتهاء دور الثقافة في الحياة اذا ما بقي خطابه يسير بهذه الوتيرة غير النافعة وغير المجدية. اضافة الى ضرورة ان يعبر الخطاب الثقافي فضاء التنظير الى افق الممارسة – الادب والثقافة في مواجهة تحديات الحياة ومتغيراتها الحادة والموجعة- ، وان كل ذلك لن يتحقق الا بوجود بديل عن الخطاب التالف الذي صار عبئاً على الادب نفسه وعلى الثقافة نفسها. هذه بتقديري الشخصي هي النقطة الجوهرية التي ينشدها مشروع البديل الثقافي عند جمال جاسم امين واقرانه محليا، او عند غيره من مجددي الخطاب في المحيط الاقليمي والدولي. ويمكننا ان نعد طروحات ميشيل فوكو وادونيس ومطاع صفدي وادوارد سعيد ونصر حامد ابو زيد على سبيل المثال لا الحصر، ضمن هذا الافق التنويري الذي يسعى الى استبدال ونقل وظيفة الثقافة من افقيتها وسكونها الى تراكميتها وثرائها الكبير.. والحديث في أهمية هذه الخطوة في تجديد الخطاب وتصاعده جدلاً ومعرفة لن ينتهي على الاطلاق وسيظل مفتوحاً الى الابد..
ايديولوجيا التدين والعلم
في محنة الاقدام الكاذبة، لا يذهب الباحث باتجاه الجدل بين العلم من جهة وبين الدين من جهة ثانية كما يبدو في القراءة البسيطة لهذا الكتاب.، انما يذهب "أمين" على وجه الدقة الى جدل أكثر عمقاً بين التنوير وخطابه المتجدد والعملي من جهة وبين الخطاب الديني الذي اريد له ان يكون مصداً مانعاً للتنوير والحداثة وتجديد الخطاب. إذ يعمد الباحث الى القراءة وفق متطلبات علم الاجتماع الديني، اعني النتائج التي تتناسل وفق قراءة علم الاجتماع الديني وتلعب دوراً مهماً في صنع طبيعة الحياة التي تنغلق على فكرة اليقين المستبدة. فضلا عن النتائج التي تعقب تطور الايدلوجيا الدينية التي تتدهور الحياة قبالتها. هذه واحدة من أهم ارهاصات هذا الكتاب الجدلي حد القطيعة. ذلك إن جدلاً من هذا النوع سيقود الى تناقض في طبيعة المجتمعات المتدينة مع التنوير وانزياح الفكرة، وصولا الى انبثاق الاسئلة الحيّة عن معنى الوجود وقدرته على صنع المعنى الاجتماعي الذي يدير دفة التوجهات الحضارية ويبني مجتمعات سوية قادرة على الحياة بأبهى صورها – على الاقل تغلّبها على ما يصادفها من مشكلات – في النزر اليسير من تلك القدرة المفترضة. وبهذا الصدد، فان التخريف سيتمثل بالبنية الصلدة التي تقاوم بقوة لافتة كل المحاولات البسيطة التي يمارسها الفكر في محاولة للصدام غير المتكافئ بينهما، ذلك ان "كل ما نعيشه في حياتنا المجتمعية يحمل بين جنباته الدعوة للأسطرة والخرافة والتعلّق بالغيب لتبرير خيباتنا المستمرة"(3)


الأمر الذي سيعني وفق تصورات جمال جاسم امين في محنة الاقدام الكاذبة، هدر المعنى الوطني وعدم القدرة على التعايش السلمي ومن ثم ضمور الحياة الطبيعية في بلد مثل العراق بمبررات التناحر الديني والطائفي استناداً لموجبات الخرافة التي يعتمدها الكتاب كواحدة من أهم أسباب التقهقر المجتمعي والحضاري والثقافي. نقول بعلم الاجتماع الديني باعتبارات دراسته للعلاقة المعقدة والشائكة بين التديّن كظاهرة مهيمنة وقوية وبين المجتمع الذي يرزح تحت وطأة تلك القوة وهي تستحوذ على انماط التفكير المجتمعية وتغلّفها بصورة مباشرة وغير مباشرة، وصولا الى اعتبارها الحقيقة الوحيدة التي يجب أن نعيش من اجلها وبسببها وبدعواها.
وفي الواقع ان ابجديات هذه الفكرة السوسيولوجية كانت قد أسست لها ابجديات "اوجست كونت" و "كارل ماركس" و "إميل دوركايم" بطريقة علمية لم تتجاوز الاساسيات النظرية الى براهين الارهاصات المجتمعية الشاخصة مثلما يجري الان في "محنة الاقدام الكاذبة"، وما يفعله الباحث هنا هو ادانة لحجم الخرافة الذي يتضخّم ويترهّل في حياتنا دون أن نعيره الاهتمام الذي يستحق في نقد خطابه وتفكيك منظومته الصلدة.. الباحث هنا، لا يوارب ويفتح الباب على مصراعيه بموضوعية وجرأة نادرة في نقد الخطاب الاستبدادي وضرره البالغ على الحياة.. وسيستفيد الباحث في اجراءات محنة الاقدام الكاذبة من جوهر فكرة الماركسية التي تسوغ وتعمل لانتصار قيم العدالة الاجتماعية ونقد هيمنة الخطاب الديني بكل صوره وتمظهراته، وتتفق طروحات محنة الاقدام الكاذبة والماركسية في النظر الى خطاب التديّن بوصفه (الأمل الكاذب الذي يمنحه المستبد) عندما يهيمن على الخطاب الديني للشعوب، وهو امل يتضخم ويقترب من الخرافة التي تسوغ للمستبد السيطرة على مقدرات الناس.. لا اعني هنا على الاطلاق اعتبار منطلقات كتاب محنة الأقدام الكاذبة منطلقات ماركسية حتى وان بدت قريبة من التوجه اليساري الماركسي، لأنها ببساطة شديدة تنطلق من فكرة الضد النوعي لهيمنة الاسلام السياسي، وان الصراع سيأخذ ايضا معنى الضد النوعي من خلال فكرة الأنسنة والليبرالية وحرية اختيار نوع وشكل الحكم الديمقراطي.. ينطلق الباحث من حقيقة قارّة تقول باحتكار الحقيقة الأيديولوجية للدين وهو يستبد بالحياة، يسمو عليها ويقبض على جذوتها وبالتالي يقودها وفق معاييره الفقهية وثوابته وتعاليمه، وبالتالي فهو يصنع منها مسلمات اجتماعية بالغة التعقيد، بل وتقود بحسب الكاتب الى نوع من هدر المعنى وضياعه. ... بينما سيقول الباحث بأهمية الأنسنة التي تقف بالضد من تقهقر المجتمعات حيال التدين وخطابه الاستبدادي. هذا النوع من الطرح الفكري الذي نفتقده في مدوناتنا الثقافية، يعبّد الطريق لفكرة البديل الثقافي، بمعنى اننا نستبدل فكرة التمحور حول الاشكاليات الى النفاذ في جوهرها، بالتسمية والتفكيك والادانة والحلول في نهاية المطاف.





اذ لاايكفي أن نقول للمريض انك معتل الصحة او ضعيفها، انما يجب ان نقول ببراهين ونتائج ذلك الاعتلال وقدرته على تدجين الحياة وعطلها وركونها الى مسلمات ذلك التعطيل. المرض وحده كعبارة شفاهية هو انشاء ومجاز لايغني او يسمن من جوع، انما القول بالبراهين وتفكيك المقصديات ثقافياً وتاريخياً هو السبيل الأصوب لاستبدال تلك الثقافة الخجولة ذات النزعة التجميلية والتوفيقية، بأفق النقد اللّاذع والصادم الذي يمكنه ان يحرّك الساكن ويهدد ثوابته ويقينياته ويحد من قدرته الفائقة في العبث بالحياة وبمصير حيوات هائلة من الناس.
في تعضلات الاقدام الكاذبة
ان كل ما تقدم هو معاينة للعتبات السوسيوثقافية التي يحتويها هذا الكتاب. لكننا في نقده وتحليله سنجد أكثر مفصل للمحاججة، وفي مقدمتها ستتقدم الحاجة الى بديل معرفي.. اذ ان اختزال الأنسنة بالحرية والعقل(4) دون الاشارة الى إرواحيات العقائد وصلادتها وصمودها التاريخي سيعني وجود تناقض ايضاً، اذ ان العقل وحتى الحرية سيعنيان في جوهرهما وجود المعرفة العقائدية وسموها في نمط التفكير العقلي، وهو ما سيعني ايضاً اننا ننشغل بانحياز الفكرة بطريقة مستبدة اسوة بفكرة نقيضها. هذه واحدة من العتبات التي تنطلق في هذا الكتاب، لكننا ايضا سنرى الى مسافة الأنسنة في هذا الكتاب وتوظيفها بطريقة مدهشة تتلخص بانها "اوسع من المناهج والنظريات، لأنها تعلمنا كيف نكون وكيف ننتمي لأنفسنا بجدية"(5)، وعلى الرغم من أهمية ذلك، أعتقد جازماً ان هذا التوصيف لم يتجاوز الاصطلاح الذي ولدت فيه الأنسنة بوصفها نزعة صادمة للتحول من التوحش الى الأنسنة ابتداء، ولأنها كذلك، فان الانتماء الملتصق بالذات الجديدة كان عليه أن يتجاوز مفهوم الأنسنة الى نزعة الافاقة من التنويم المغانطيسي العميق في المحيط العربي والشرق اوسطي والذي ستختصره اطروحات كثيرة تاريخية وغير تاريخية بتناقضات المحيط الاسلامي.. فعلى سبيل المثال سيشير "محمد آركون" الى مثل ذلك بالمقارنة بين وجود الأنسنة في بغداد عندما كانت اوروبا تهيم على وجهها أبان محاكم التفتيش المعروفة!(6) مقارنة بسواها من عوالم التوحش، وهي مقارنة غير نافعة وغير مجدية بسبب من التحولات الهائلة في طبيعة المجتمعات الشرقية والمجتمعات الغربية، وهي تخريجة تاريخية لا اكثر ستجري في سياق
استحضار التاريخ فحسب.... نعم، بالإمكان تحديد ذلك التناقض دون الخوض في أنسنة المجتمعات التي تدعي عبورها – المريض - لتلك النزعة. وهو ادعاء تشترك فيه معظم الامم. التوحش قائم بسبب المقولات الكلاسيكية للفكر الديني في المسيحية وغيرها. اعني على وجه التحديد – المقولات القارّة – غير القابلة للتغيير، بل غير القابلة للتأويل العلمي ايضا. وسيقف الاخر المستبد برؤيته العولمية في مسافة النقيض بالاستبداد ذاته تمسكاً بالفكرة بوصفها ايديولوجيا ايضا، وجعلها مهيمنة وذات قدرة على الارغام الذي يجيء غالباً حتف انف التنظيرات التي تحث على الحوار المستنير!! . اننا اذن امام استبدادٍ يقابله استبدادٌ من نقيضه، وبالتالي فإننا أمام تعضلات تاريخية وحضارية لاينفع معها التنظير الذي يتردد كثيراً في الخوض بالممارسة العملية.. بمعنى اننا امام مشروعين للأنسنة، سيقف فيه الاول بموجبات التنوير وطغيان القوة ويقف فيه الثاني بموجبات الارواحيات وكلاهما سيدعي الأنسنة بطريقة استبدادية.
فعلى سبيل المثال ان الحروب والغزوات الاسلامية كانت تحدث بسبب هيمنة المد الاسلامي وتصاعده الثوري من خلال فرض القوة بعد ان يصدّق المسلمون انفسهم انهم اصحاب التمسك بجذوة الأنسنة وشيوعها. القوة الراديكالية المتسعة باضطراد في حينها، حازت على شعور بالتفرّد والتفوق على ما تراه أمامها من قوى متشرذمة لا تذوب في العقائد ولا تتمتع بأدنى مقومات الغليان الروحي الذي سيمنحها قوة مضاعفة في مجابهة الاخر. وهو الامر نفسه الذي يحدث
مع كل هيمنة، يقول جوزيف مايلا في حواره مع محمد اركون في هذا الصدد، بالقناعة المطلقة في "امتلاك الحق في ادارة حكم العالم.. وان كل امة مهيمنة تميل الى التصرف بهذه الصورة. اعلان الوعي الصريح بأن التاريخ يتم توجيهه بعالميته من وجهة نظر أمة منتصرة"(7)، لكن تلك الامم التي تنتصر أو التي تؤمن بحقها في ممارسة ارغام الأنسنة اذا جاز التعبير، ستقود في اكثر من مرة حماقات الانفصام العقلي في حياة شعوب العالم وتحولها الى جحيم مطبق بعد أن تنهي فيه مقومات الدولة الوطنية – سواء اكانت هذه الدولة فاشية او غير فاشية – لأنها ستفقد سماتها وملامحها بسبب من إرغامات الخطاب المُظلِل، وهو يحيل الى الأنسنة والنهضة والديمقراطية..ففي كتابه "الدول الفاشلة" ينقل نعوم تشومسكي عن بيتر غالبيرث حماقة اميركا في تعزيز نفوذ الدول التي تسعى الى ترسيخ قيم الراديكال الديني والطائفي ويعدّها من الحماقات التي تؤكد خطاب المفارقة الغريبة :" انه لمن سخرية الاقدار ان تلعب الولايات المتحدة التي غزت العراق لأسباب من بينها المساعدة في جلب الديمقراطية الليبرالية الى الشرق الاوسط، دورا حاسما في اقامة ثاني دولة اسلامية شيعية فيه"(8) .هذا التأكيد على صنع الحماقات من القوى الكبرى يزعزع لدينا القناعات في ان البلدان التي تعتمد خطاب الأنسنة وتدعيه وتؤسس في ضوئه النظريات والسلوكيات الدولية، تفشل في ممارسة الأنسنة وتنجح في الترويج لها. وفي النقد الاوروبي السياسي والثقافي براهين كثيرة تشير الى مثل هذا الارهاص الذي يضعف مفهوم الأنسنة ويأخذ بيدها الى التلاشي.. بودي ان اشير هنا الى ان الباحث لم يركز على موضوعة الاقتصاد ومساهمتها في تيه اقدامنا الكاذبة، الاقتصاد بوصفه واحدا من مبررات ذلك النكوص. ليس الاجتماع وحده وليست السياسة وحدها تصنع التيه والضياع وتلاشي المعنى. الاقتصاد بمقدوره ان يفعل اكثر من ذلك. فسياسة التجويع والتوزيع غير العادل للثروة يكاد يكون سبباً رئيساً في ذلك الضياع .. : " تشير تقارير منظمة الصحة العالمية الى ان اكثر الامراض فتكا واشدها ضراوة، ليس تجلط الشريان التاجي او السرطان، ولكنه الفقر المدقع الذي يعاني منه الف مليون شخص في العالم"(9) وهذه صورة مرعبة من صور اضطراب المعنى التي توحي أننا بصدد الحديث مطولا عن اشكالات تعبر الاجتماع والسياسة الى الاقتصاد الذي لم يكن ساطعاً في بلد مثل العراق منذ اربعين عاماً على الاقل، وان حديثاً عن تعثر الخطى ومحنتها، لابد له أن يتلمّس الطرق الاقتصادية البدائية التي كانت تشيع مثل هذا الفقر ومثل هذه الفاقة الهائلة.. يشير "امين" في محنة الاقدام الكاذبة الى رؤية تتحسس خطورة انبثاق الدولة الدينية بصورتها الكالحة التي لا تتعارض مع نقيضها :" انتهى الفصيل المسمى داعش وتم القضاء عليه ظاهرياً، نقول ظاهرياً لأن اشباهه في الوصف والوظيفة موجودون في حياتنا العامة، في الشارع وقريبا من السلطة، واحيانا في السلطة ذاتها التي حاربت داعش"(10) وبتقديري الشخصي، ان هذه الرؤية تفتح لنا افاق فهم المحنة بطريقة تفكيك المقصديات وتأكيد تعضلاتها الخطيرة والمرعبة، لا من خلال التأسيس لعنف هذه الجماعات فحسب، انما لأنها ستكون جزءاً من دولة تتأثر بعنفيات من هذا النوع.. ان فرضية مثل هذه – على خطورتها – تؤكد الحقيقة التي تقول بتغوّل الافراد على الجماعات. والجماعات التي ننعتها بقرين داعش تتمتع بالسلطة بعد الاستحواذ على الادعاء بالمقدس، او الحفاظ على القدسيات الغيبية – بوسعنا ان نطلق عليها اي تسمية- الا اننا لن يكون بمقدورنا عزلها عن الشعارات ذات الطابع المقدس وهو سر وجودها وتغولها وابتلاعها لمفهوم الدولة. هذه القوة ذات الطابع السياسي المخضب بشعارات التقديس، لديها القدرة على تحويل مسارات الحياة السياسية والاجتماعية بسهولة ويسر في بلاد تأكله الخرافة وتعبث بمصيره وتطلعاته ومستقبله. وبالتالي فان تركيز جمال جاسم امين على هذه الثيمة، تأخذ البعد السوسيوثقافي الذي تكون نتائجه مدمرة وكارثية في قادم الايام. ان هذا الاستشراف هو احد الاهداف الاستراتيجية التي حملتها الاقدام الكاذبة وهي تتجول في طريق طويلة في التاريخ وفي الحاضر وفي استشراف المستقبل..
فاعلية محنة الأقدام الكاذبة: ثمة فاعلية حقيقية يعمل عليها كتاب محنة الاقدام الكاذبة من خلال التحريض على الدخول في مكاشفات حادة باستعادة التاريخ السياسي والاجتماعي العراقي، وتتبع الخطى الحثيثة لتصاعد ايقاع الاسلام السياسي وتأثيره الكبير على الحياة العربية والعراقية. ويمكننا ايجاز ذلك بمجموعة من الملاحظات
اولاً / ان ايجاز الافكار الهائلة في خطاب محنة الاقدام الكاذبة بوصفها مشروعاً بديلاً لخطاب ثقافي تالف، سيأخذ بيد الباحث الى عتبات سوسيوثقافية مهمة وذات قدرة على الاقناع والتحريض وصناعة الوعي المجتمعي والثقافي. فعلى سبيل المثال سيعرّج "أمين" على الخلاف الذي ينبثق كثيرا في تصدع الهويات المتعددة في العراق، فيعد ذلك الانبثاق بتحريض من الايدلوجيا السياسية وليس الى التكاره الطبيعي بين الهويات المختلفة. اذ لاوجود الى تكاره مثله في التاريخ المعاصر، وهي التفاتة تغاير وتعارض الكثير من الطروحات التي ظهرت منذ العام 2003 وتنامت حتى صارت قارة ومسيطرة الى حد بعيد في رؤية التمايز الهوياتي والعرقي والطائفي باعتبارات صراع الهويات.. اضافة الى اهتمامه العميق بنقد الفائض المعرفي والثقافي الذي لايتجاوز البلاغيات والانشائيات ولم يعبرها الى الافق الثقافي الرصين، وبالتالي سيجد الباحث في هذه الخصيصة العاطلة في حياتنا، خللاً يعزز النمطية السلبية التي تعتمدها الثقافة العربية والتي تبدا من نظم التعليم وتنتهي بمدونات التاريخ والثقافة التي تعرضت عندنا لصدمة ومكاشفات ما بعد العام 2003
ثانيا / تشير عتبة مخاض التأسيس في محنة الاقدام الكاذبة الى ضرورة اعادة "المراجعات النزيهة والمحايدة ليس لانتهاز الفرصة، انما لتصحيح مسارات تلك الفرص" التي تضيع اسوة بالحياة العراقية نفسها. وهذه العتبة من محرضات تأسيس الوعي الحقيقي لا الوعي الزائف، اذ ان القول بحيادية المراجعة سيخلق نوعاً من الانزياح في المكاشفات الصادمة لا العابرة التي تأتي وتروح دون اي اهتمام يذكر. وفي الحقيقة ان فكرة تبديل الخطاب التالف بآخر حيّ هو نوع من انواع المراجعة النزيهة في الاجراء الثقافي..، تبديل هذه الفكرة سيأتي بمثابة مخاض التأسيس لا باعتبارات الجهد الادبي والفكري الذي يبذله المرء كلما تفجرت لديه عناوين الموهبة وقدرتها على صنع النادر من الفنون.، انما ستصبح ضرورات ندرة مضمون الفنون وطريقة صناعتها والاهتمام بها جزءا حيوياً من مخاض التأسيس الذي نحتاجه اليوم بصورة ملحّة اكثر من اي وقت مضى.
ثالثا / ان توقيت صدور كتاب "محنة الاقدام الكاذبة" يأتي بالتزامن مع الغليان الشعبي/ الشعبوي في تشرين 2019 وهي الموجة الثورية على مؤسسي الفوضى العراقية من الذين استبدوا في احكام قبضتهم على مقاليد السلطة منذ العام 2003 عابرين بذلك التاريخ الثوري العراقي الذي استطاع نظام البعث كبح جماحه منذ العام 1963 ومعظمه من قوى اليسار حتى وان لم تكن تنتمي الى حزب معين. معظم النخب العراقية ذات اتجاه يساري يطمح الى التغيير، وان ما حصل من نكوص كان سببه حجم الآلة العنفية التي عمل النظام على جعلها مصداً قوياً امام تطلعات الثوريين طيلة العقود الاربعة الماضية. اذ تأتي فكرة الاقدام الكاذبة وهي تتلمس طريقها بالتناغم ما يلتمسه الثوار في العراق من طرق وعرة وعميقة، هي من تنويعات الكتاب الذي يصدر متماهيا مع حراكها، وكأن التزامن يأخذ معناه من حيوية تلاقي طروحات الكتاب مع فكرة الاحتجاج نفسها التي تحرض المنتفضين. لانتحدث عن ذلك بطريقة شعاراتية فارغة، انما ثمة محددات وثوابت على قدر كبير من الاهمية هي من يجعلنا نؤمن بفكرة التزامن المذكورة، من باب الفهم العميق لنتائج تطبيقات الحراكين معا (حراك غليان الكتاب وسطوع فكرته الاساس، وتوهج الحراك الشعبوي العراقي في تشرين 2019 في تجربة تكاد تكون جديدة وغير سائدة في معظم تاريخه المعاصر).
رابعا/ ان معظم كتابات السوسيوثقافي العراقي، تحتمل رطانات مختلفة لا تلامس الفكرة المجتمعية العراقية وضياعها الطويل، فتعمل على تأطير اي كتابة من هذا النوع بالتنظير الطويل والاسهاب في سرد حكايات التظلم والنواح على ما اجترحته الجريمة السياسية في العراق من قمع وتنكيل طيلة العقود الاربعة الماضية. وسيغاير "محنة الاقدام الكاذبة" في توجهه منذ المقدمة بالدخول في اتون المحنة وطرقها الصعبة، متوخيا التطبيقات الحيّة لا التنظير وحده، او سرد الحكايات وحدها. اضافة الى تسميته الاشياء بمسمياتها دون تزويق ودون انشاء ممل وغير ذي نفع. ويمكننا عدَّ هذا الكتاب من الكتب المهمة في مكاشفات الراهن العراقي الملتبس والمزدان بالزيف والتخريف الى درجة غير معقولة.

google-playkhamsatmostaqltradent