recent
أخبار ساخنة

تقنية الإثارة والصدم في " لا ضوء في قناديل الحروب " نصوص وجيزة - للشاعر العراقي الكبير جبار الكوّاز .غانم عمران العموري

تقنية الإثارة والصدم في " لا ضوء في قناديل الحروب " نصوص وجيزة - للشاعر العراقي الكبير جبار الكوّاز.
غانم عمران العموري

فتح الكوّاز بأسلوبه الجديد مسارات جمالية تعتمد تقنية الإثارة والصدم وتنامي الخيال ودفع الشحنات التدفقية إلى أقاصٍ بعيدة متحرراً من الأشكال المغلقة والقوالب الجاهزة فهو مُغامر تخييلي يكشف عن عُمق تجربته الشعرية الطويلة ومقدرته في التحَكُم بأدواته الفنية بأصابع ساحرة تعرف العزف على العود لتُعطي أجمل الألحان ..
لذا جاءت عنونة نصوصه الوجيزة " لا ضوء في قناديل الحروب " لتُمثّل مُساهمة فعالة في تحريّك وهزّ مشاعر المتلقي وتهيّج تراكماته الفكرية القابعة في الذّات كما في هيجان أمواج البحر التي تُخرج زاجر الطين وكل ما هو في القاع ..
لم يتوقف تحليل العنوان على المعلوماتية المعجمية والنحوية التي تبين بأن " لا " نافية للجنس وضوء اسم نكرة وفي قناديل الحروب شبه جملة وإنما تتسامى العنونة لتأخذ أبعاد فلسفية واجتماعية ونفسية شاملة حيث أنها جاءت بصيغة الجمع كما في " الحروب " فتشير إلى الهاجس وعمق الانتماء الوطني والقومي للشاعر وتمرده على الواقع المُظلم والفساد في كل بقاع الأرض دون تحديد بقعة مُحددة عن طريق نظرته البعيدة الواسعة في استيعاب الامور ومجرياتها حيث أن العنونة تُمارس سطوتها في التأثير البصريّ الحسيّ الذي يُحرك مُخيلة المتلقي ويوقظ شعوره من السبات إلى الحيّوية المُفعمة بالإحساس والتأمل فتترك الانطباع الفوري الأولي على ما تتضمنه نصوص المجموعة..
أنا سجينُ حريتِكِ
فمَن فتحَ بابَ قفصي لعصافيرِكِ المحنّطةِ ؟ !ص5 من المجموعة.

يبدأ الشاعر نصه الوجيز بحديث الأنا بمفردتين واسعتيّ الدلالات, متناقضتيّ المعنى إلا أنهما يشتركان في الثنائية والتعاكس بينهما حيث أن السجن هو خلاف الحرية فكانت نظرته الثنائية تحمل في طياتها عنصر التضاد الذي يمكنه من خلق هزّة وتوتر فكري لدى المتلقي وإن ذلك ناتج عن التفاعل واندماج الذّات الشاعرة بالذّات الانسانية وبكل ما يحيط بها من تمظهرات اجتماعية ونفسية وسياسية كما تظهر الثنائية الضدية في النصوص :
لما تزلْ في ارتباكها تقايسُ الأسودَ بالأبيض 
والهجرةَ بالإقامة 
والحربَ بالسلامِ .. ص6 من المجموعة.
***
انا كنتُ ضالاً
فدلني على بياضٍ في السوادِ
وعلى محنةٍ بلا سؤلٍ .. ص 10.
***
كَذبَ السوادُ حينَ ظنّ نفسَه ابيض ..ص16.
***
السوق القديم 
نفق يخدعنا برقمه المسمارية المنحولة
الداخل فيه ضائع
والخارج منه مخمور..ص 22.
***
لم يعد في الذاكرة ما يستحق
لقد ادركتِ الانسانَ حرفةُ الموت
فكثرت شواهدُ الاحياء ..ص 26.
***
الكفّ التي تثقبُ الليلَ
بإصبعها المبتور
أدركت الآنَ فقط
أنّ الافقَ خشبٌ
ومنشاره وهمٌ
في الحضور 
أو 
في الغياب .. ص 47.
***
الذين مضغوا الترابَ كم ارتووا من طلع الموت ؟ !
والذين أسرجوا أرواحهم في الظلام
أهملهم النور
فلا تضع فوق رأسك تاجاً
لستَ هدهدَ سليمان .. ص 58.
***
البياضُ سوادٌ, السوادُ بياضٌ
اين هاجرتْ الوانُنا
ومن هرّبها في الحقائب ؟ ! ..ص72.
***
لا
سوادَ أشدُّ من الموتِ
ولا 
بياضَ أشدُّ من الحبِّ .. ص74.


تنتمي هذه النصوص ومفرداتها ( الحرب والسلام, الهجرة والاقامة, الأبيض والأسود, الداخل والخارج, الموت والحياة, الحضور والغياب, الظلام والنور) إلى تيمة ثنائية تمنحها عُمقاً دلالياً فطرياً مُنفتحاً في التعامل مع الواقع بكل أبعاده الاجتماعية والنفسية " لا أن حضور اللون في الشعر لا يتوقف عند حدود التشكيل السيمائي بل يتجاوز ذلك إلى صوغ نظم جمالية تحدد العلاقة بين النص والعالم " 1.
امتازت النصوص الوجيزة بدقة الانتقالات والمشاهد الحركية التي تضفي عليها روح الابداع الفكري بوصفية مختصرة وبلقطات سينمائية تثير وتُشاغل مُخيلة المتلقي عن طريق قذف واطلاق العبارات بانسيابية تخترق اللحظة بكل فضاءاتها ومعطياتها الجارية كمياه الينابيع التي توحي بالحيوية والحركة وتُبهر عيون الناظرين ..
كما أن الشاعر أثث نصوصه بلغة مُكثفة بالدلالات و بإيحاءاتها الحسية مُعتمداً في نسيجها على خلق بُنى نصيّة تمتاز بدرامية الصورة المُفعمة بالشعرية وهي نتاج التخييل الشعري لدى الناص وقد أشار إلى ذلك حازم القرطاجني بقوله " فكل شيء له وجود خارج فإنه إذا ما أدرك حصلت له صورة في الذهن تطابق ما أدرك منه فإذا عبر عن تلك الصورة الذهنية الحاصلة عن الادراك أقام اللفظ المعبر به هيئة تلك الصورة الذهنية في أفهام السامعين واذهانهم " 2.
ان ما ورد في نصوص الشاعر الوجيزة من ثنائيات متضادة يُمثّل رؤية حقيقية للواقع بكل تناقضاته بطريقة ذهنية قادرة على حشد أكبر عدد من الصور الشعرية المشحونة بالأفكار والدلالات عن طريق اللقطة الخاطفة كالسهم الذي يُصيب الهدف بكل دقة بتكثيف موجز بعيداً عن الاسهاب والاطالة التي قد تُسبب الملل والنفور عند المتلقي كما إنها تتسم بروح الحيوية والحركية وتنامي المشهدي الشعرية عبر تقصي جزيئات اليومي الواقعي وتأثير الألوان في نصوصه ناتج عن وعي وفهم عميق بطبيعة وجوده في كل مظاهر الحياة حيث أن الأبيض طالما يرمز إلى الحب والسلام والطمأنينة والأسود يدل على التعالي والتكبر والعظمة فهو اللون المفضل لدى الملوك والأمراء وهو الذي يُهيمن على الحياة اليومية للإنسان " وإن التعبير بالألوان كثيراً ما يكون وسيلة من وسائل التعبير الرمزي لما لها من ايحاءات خاصة " 3. كما في نصوصه :
ما بالك تنسى العنوان ؟ ! كلما عاندك ظلٌّ ورسا فوق جراحك ملحٌ ظمآن.. ص6.
***
أعبرِ الجسرَ القديمَ قبلّهم 
فقد عبروه ظمآى.. ص 12.
***
كَذبَ السوادُ حينَ ظنّ نفسَه ابيض ..ص16.
***
وفي القيلولة ,,, من يظل الأشجار غير أحلام القائلين .. ص 22.
***
في انتظار المخاض لا تفكرُ الاشجارُ بسوى اصابعِ الريحِ ..ص24.
اما عباءته فلم تسع ضحكاتِ ابنه الغائب في سهرات المقابر ( الاب ) .. ص 25.  
شجرة السدر قرب الجسر القديم أحرقتها عاصفة الصحراء
النوارس ما زالت تحوم حولها باحثة عن أنفاس سنين صاهلة .. ص27.
***
لقد هرمَ الحمارُ وهو يقودُ عربةَ الجماجم إلى آبار الزوال .. ص31.
***
و عند الغروبِ 
سؤالُكٍ وهمٌ و بعضُ سؤالي حلمٌ يُشاركُنا موعداً في بريدٍ يتيم .. ص 40.
***
لا تدعي خطاكِ تدّخرُ دخانَ المنافي فلا عشَّ لها في شجرةٍ محترقةٍ ..ص42.
***
نادلُ البرقِ نسيَ غيمتَهُ فوقَ قبرِه ومضى يحثُّ النهرَ للظمأ
.. ص59.
***
بين أسدِ بابلَ وشطِ الحّلةِ ساعةٌ نائمةٌ منذُ عهدِ يأجوجَ ومأجوجَ ..ص65.
سعى الكوّاز إلى التجديد في خلق صور شعرية متلاحقة بإخراجها عن حدود المألوف والمعتاد ويظهر ذلك جلياً في ارتباط الصور الشعرية فيما بينها داخل النصوص " قد يشك القارئ للوهلة الاولى أن لا رابط يجمعها ليتضح بعد النظرة الكلية للسياق الذي يجمعها أنها خاضعة لرابط شعوري " 4.
تُشّكل النصوص الوجيزة نمطاً أدبياً مفتوحاً على تجارب كونيةٍ متمرد لا يتقيد بقوالب جاهزة أو أُطر محددة وإنما تتسم بالحريّة في العبير بطريقةٍ وصفية واعية لإثارة و تهيّج ذاكرة المتلقي كما أن الشاعر استعمل أسلوبية التكرار كما في نصوصه :
أدرِ الكأسَ نديمي فالندامى راحلون والليالي ثملاتٌ مُلِئت بوح الظنون ..
***
أدرِ الكأسَ 
ودعْ منه بقايا لمقيل, أين يمضي الغدُ واليومُ عثارُ المستحيل ؟ ! 
***
أدرِ الكأسَ 
ودرْ بي حيث شاءتْ أو تشاءُ, فزوالٌ قادمٌ يُبكي اذا ضجَّ الغناءُ 
***
أدرِ الكأسَ فما في الكأسِ وهمٌ
وأنسجِ الصمتَ ففي صمتِك
حلمٌ
***
أدرِ الكأسَ فشمسُ اللهِ ما زالتْ
هناك,
ترتجي منكَ كسوفاً 
لتراك
***
أدرِ الكأسَ ولا تسقِ به ظلَّك الراحلَ قبل الموت
إنّ الموتَ أجراسٌ تحوم
***
أدرِ الكأسَ فهذي الأرضُ ما زالت
تدور,
كالرحى والحبّ فيها تهمةٌ 
أوقدتِ الموتَ على مرِّ العصور.. ص35.
يحقق تكرار الجملة " أدرِ الكأسَ " قيمة جمالية وإيقاعاً موسيقياً بوتيرةٍ تتصاعد تدريجياً ويُساهم في ترابط وحدة النصوص فيما بينها و حرصه على الكشف عن مقصدتيه من خلال التكرار لبث رؤية مبتكرة متجددة، , ويحافظ على انتظام القصيدة وتوازنها الإيقاعي الداخلي مما يؤثر في مشاعر المتلقي حيث أنَّ ” التكرار يستطيع أن يعين المتلقي في الكشف عن القصد الذي يريد الشاعر أن يصل إليه، فالكلمات المكررة، ربما لا تكون عاملاً مساهماً في إضفاء جو الرتابة على العمل الأدبي، ولا يمكن أن تكون دليلاً على ضعف الشاعرية عند الشاعر، بل إنها أداة من الأدوات التي يستخدمها الشاعر لتعين في إضاءة التجربة، وإثرائها وتقديمها للقارئ الذي يحاول الشاعر بكل الوسائل أن يحرك فيه هاجس التفاعل مع تجربته، إن حرص الشاعر على إحياء تجربته في نفوس المتلقين يجعله يتحرز في اختيار الأسلوب الأكثر ملاءمة”5.
تضمنت نصوص الكوّاز رموزاً تسهم في تشكيل الصورة الشعرية المراوغة والمنفلتة و الزئبقية حيث كلما حاول المتلقي الإمساك بالمعنى المقصود انفلتت من بين يديه وكذلك لجأ الى الاسطورة لإضفاء البعد الانساني والفني والحضاري على تجربته من خلال تشييد جسور بين الماضي والحاضر وليس التقوقع داخل نفق الاسطورة كما في :
يا ليلُ
كذب ( بشار ) الأعمى 
فسيوفُنا من طينٍ
والنقعُ صراخُ موتانا في حروب الأخوةِ الأعداء وكواكبُنا
رؤوسٌ فوقَ رماحِ الله ..ص37.
***
أما أنتَ أيُّها الخيمائيُّ الكبير 
لقد سرقَ ذهَبكَ 
العميانُ
وعلّقوا حدوةَّ حصانِكَ 
على عصاكَ ليمتطيَها
البدوُ .. ص57.
***
الذين مضغوا الترابَ كم ارتووا من طلع الموت ؟!
والذين أسرجوا أرواحّهم في الظلام 
أهملهم النور
فلا تضع فوق رأسك تاجا
لستَ هدهدَ سليمان .. ص58.
***
يا ابن فرناسَ
عدْ إلى قبوكَ
أشباهُك كثيرون
ويتكرّرون .. ص61.
***
حينما نامَ أسدُ بابلَ
اختنقَ شارعُ الموكبِ بروثِ الغزاةِ ..ص65.
***
بين أسدِ بابلَ وشطِ الحلّةِ ساعةٌ نائمةٌ منذُ عهدِ يأجوج ومأجوج ..ص65.
***
ليت لي جناحين 
لأعرف من خدع ( ابن فرنانس ) 
بحكاية
الريش ؟ ! 
***
( نرسيس ) الذي
أوهم نفسه بجماله غادر البرْكة 
وهو يرميها بحجارةٍ 
من سجيل ..ص68.
***
استطاع الشاعر بنصوص وجيزة ربط الاسطورة والرموز والشخصيات التاريخية بالحاضر وعصرنتها وفق المستجدات والتغيرات الحاصلة بالبلد فإنه لم يكن يقصد بحديثه عن بشار بن برد الشاعر الأعمى والذي " اتهم في آخر حياته بالزندقة فضرب بالسياط حتى مات " 6. وإنما أراد بذلك الأنسان الحاضر الثوري المتمرد على الفساد والظُلم المجتمعي ..
كما أن الكواز أضمر وأخفى عن طريق شخصية " الخيمائيُّ " ما يقصده وهل الأحلام تتحقق بمغامرة خطيرة للعثور عن كنز مدفون كما في رواية الخيميائي الرمزية لمؤلفها باولو كويلو, فكان ربط رائع بأسلوب فني بين تلك الرواية والاحلام والأمنيات التي تتعلق بخلجات الإنسان الحالم على مدى العصور في الماضي والحاضر ولعبة الجري والسعي وراء الأحلام,( هدهد سليمان, ابن فرناس, نرسيس )..
 كما استعمل الكوّاز الرمز الميثولوجي في الأساطير الإغريقية حيث أن " نرجس أو نركسوس أو نرسيس كان صياداً أشتهر لجماله وكان ابن الإله كيفيسيا والحورية ليريوبي كان مغروراً بنفسه لدرجة تجاهله وإعراضه عن كل من يحبه لاحظت الإلهة تصرفه ذاك وأخذته إلى بحيرة حيث رأى انعكاس صورته فيها ووقع في حبها دون أن يدرك بأنها مجرد صورة أعجب بصورته لدرجة عجز فيها عن تركها ولم يعد يرغب بالعيش وبقي يحدق بصورته إلى أن مات " 7.
أراد الشاعر من خلال توظيف الأسطورة تسليط الضوء على موضوع مهم بل آفة الغرور التي تفتك بالإنسان وتوقعه في المتاهة والهلاك وهذه الظاهرة لم تكن محصورة في زمان ومكان محددين.
أوردها الكواز لإغناء الصور الشعرية بالجمالية والإيحائية وتحريك مُخيلة القارئ للبحث وتقصيّ المفردات دون الاعتماد على مفاهيم جاهزة ضمن قوالب محددة ..
كم خبّأت عتباتُ البيوت
أوجاعنا وبكت
حين جُرِرْنا إلى الحروب
***
ليلةٌ بعد ليلةٍ تمضي
وعازفُ العودِ
في ذاكرةِ الشارعِ يُغنّي :
أين يا ليلُ
صباباتي وكأسي ؟ ! .. ص69.
قدم لنا الكواز نصوص شعرية تحتضن في قلبها أوجاع وآهات وآلام ومعاناة جيل بعد جيل وسط متنفذين وأحكام جائرة وطغاة وفساد مستشري في كافة مفاصل الحياة ليُعرّي الواقع المُزيّف والصراع الحياتي اليومي الذي يعيشه بتحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية أنهكت الانسان الفقير بأسلوب وتقنية فنية غنية بالمفردات والتشبيهات والاستعارات والانزياحات البلاغية وكسر كل القوالب الجاهزة بالتمرد على المألوف والسائد من القول بطريقة استنطاق الأمكنة والقفز والتنقل من زمن إلى آخر بلغة بعيدة عن التقعر مطابقة لكل متطلبات واساسيات قصيدة النثر التجديدية ..
تحتاج نصوص الكوّاز في مجموعته ( لا ضوء في قناديل الحروب ) إلى دراسة واسعة في كتاب مخصص فالقراءة المختصرة لا تمسك كل خيوط المجموعة ..
google-playkhamsatmostaqltradent