recent
أخبار ساخنة

المحسـوس وعلاقته بالواقع وما وراء الواقع

المحسـوس وعلاقته بالواقع وما وراء الواقع






الذهاب نحو اتجاهات مغايرة، كأن نخرج من الواقع التقليدي والدخول إلى مناطق خارج التقليد، وبعيدة عن المواقع المقيّدة، وهذا مايدعم الخيال نوعا ما إذا بقي كما هو كخيال للشاعر الذي يلتزم بمهمة الخيال؛ ولكن هناك الخيال الخلاق الذي ينتج من خلال المتخيّـل، لذلك فالذهاب مع المحسوس الكلي وتسخيره بهذا الاتجاه له خصوصيته بالتعبير عن بعض المواقف التي تعني الشاعر بالذات، ولا يمكنه المحسوس الاستمرار بشكله الطبيعي والمتعارف عليه ضمن قوالب بنائية قد تكون مقبولة. إنّ من مثل هذه الاتجاهات متوفرة وبكثرة في المناطق والمواقع الشعرية، لذلك ينحى الشاعر بانفرادية غامضة ويزحف مع رؤيته مالم يستطع غيره بهذا الزحف، فيضع الباث أمامه ومن خلال واقعه كلّ ما هو مستهدف للتعبير عنه بواقع آخر؛ قد تنشب من خلال هذا الاتجاه ثورة أو فكرة ديالكتيكية ثائرة، مما يدخل الى منطقة السريالية، والتي أرى بأنّ هذه المنطقة هي الأكثر خصوبة من غيرها في العالم الذي نتداوله بشكل يومي .. (( إنّ مهمة السريالية تكمن في التنبؤ عن دخول الإنسانية منطقة الأعاجيب الباهرة فهي تبغي استخدام الشعر والفنون الأخرى والحياة بأكملها لترسم صورة مسبقة عن حلول المملكة الخيالية ولكنها لاتكتفي بالتنبؤ ولا بالتصوّر، فهي عمل ومبتغاها أن تقود الانسانية قيادة فعلية إلى الهدف الذي يتراءى لها. – ص 91 – أندريه بريتون والمعطيات الأساسية للحركة السريالية – ترجمة : الياس بديوي – منشورات وزارة الثقافة السورية )).
ومن هنا يتمّ الكشف عن المناطق المجهولة، والتي ترى الشعرية بأنّـها قادرة على توسيع مملكتها المقاومة من خلال النصّ الشعري، والذي أعتبره أيقونة فعالة بالتغيير القصدي، وذلك لأنّ الباث يتوجه نحو القصدية، ولا يكتفي بالتصوّرات التي يحملها معه في العالم الثاني والعالم الثالث، ولو نظرنا إلى العالمين فسوف نكوّن علاقة مابينهما، وذلك بوجود الإمكانية والتفاعل مابين عالم مملكة الخيال، وعالم مملكة الذات المتشعبة . لاتستقيم الذات خارج الذات؛ فهي الوحيدة التي تتسلق نحو المقدّس، وهذا يقودنا إلى مفردات أخرى ومنها الكلام القلبي، والكلام الذهني، فالذات تتوسط مابينهما من خلال مفردة ( الحب ) والتي تعتبر من المفردات الذكية والتي يسعى الباث من خلالها إلى تجاوز العقبات النفسية؛ والدخول إلى حقول التأمل والتصوّرات التي تنزع الكتابة نحو أعمال خلاقة ؛ وبدلا من الحضور المخيف راحت تتلو علينا التبدلات المعاكسة بالطمأنينة والتأمّل، وهما جانبان لمحاولة واحدة لانراها أمام البصرية، وإنما تتلو المرسَلة من ثياب الإبادع المتجدد؛ ومن هنا يخرج الباث من المحدود إلى اللامحدود في تقصّي العمل الشعري، فالواقع الذي أمامنا ، واقع محدود وتقليدي، ففي كلّ يوم نصبّح بدائرة مزاجية، وهذا يدعو إالى مخاوف جديدة، وعندما نضع المرء بتلك الدائرة فهذا يعني نساعده على التحجيم.
. فؤاد شاهين )) .
إن التخاطب الموضعي يجرنا نحو كتابة مغلوقة؛ هذا من ناحية الكتابة الكلية، فهي تصلح ككتابة جزئية للنصّ الفريد، ونحن ننظر إلى أبعد من ذلك عندما ننتقل من كتابة محصورة وتتجول أمامنا وإلى كتابة مفتوحة لاتجمعها البصرية ببساطة، لذلك فعملية الانتقال من خلال الذات إلى أفق مفتوح بعيدا عن الحقائق التي نشاهدها وهي حقائق متقولبة غامضة لاحلول لها، مما يتدفق الشاعر نحو الفوضى والتراجع عندما تقع بصيرته كجسد مرتبك، وذلك بما تتطلب معايشة البيئة التي حوله، وهذا مايدفعه من الخروج من عالمه الأّوّل وإلى عوالم أخرى، تصنعها الذات والتي تدفع الكتابة بعالم خارج الالتباسات؛ ومن هنا نقول بأن القول الشعري الذي يسبح في عالم لاحدود له يميل الى ترتيبات عجائبية وغريبة، علما هي نفس اللغة ونفس الألفاظ يوظفها الشاعر ولكن عملية الاختلاف هنا هو كيفية تركيب تلك اللغة وتدخلات الذات معها، على إعادة بعض التشكيلات ، لكي تنشب حربا مفتوحة؛ حرب تدعو إلى المغايرات والاختلاف، مما تتكون خاصية مستقلة لدى الباث لأنه اختار عالمه التنظيمي وراح يحدق من خلال عدسته البصرية بأفق آخر لاتغلقه المتاريس ولا البنايات الشاهقة ولا الحدود بين الدول وإثارة الحروب، فمعركة الشاعر معركة نصية خالصة، يعكس من خلالها الصمت، وينطق
من خلال النصّ الشعري .بين الأداء المعرفي الظاهري والأداء المعرفي المخفي، تكمن لغة الشاعر، فهي تراوغ من خلال عالمه بين النفور والهدوء؛ لذلك نلاحظ أنّ هناك لغة القلب ولغة العين ولغة الذات، وجميع هذه اللغات تكون الذهنية مدركة بعمل حقيقي؛ وهو المنهج المبني على حقيقة المعنى الذي يتأمله الباث، ومن هنا يخرج من عالمه المباشر ليستعين بعالم آخر، وكما تم تحديده " عالم ماوراء الواقع "، ولكي يدخل إلى هذا العالم تكون الذات قد جلبت معها المعاني كعلاقات مخفية بين مصادر اللغات الثلاثة؛ وهنا يكون العالم بالنسبة للذات عالم غير تجريبي، بل من العوالم الخام الذي لايدخله أحد، سوى أن الشاعر هو الوحيد " حسب تأمله الذاتي" سيكون في مساحته الكبيرة، وهذه مرجعية حقيقية يتأملها الكاتب، بأن يكون منفردا في هذا العالم.. فإدارك الأشياء التي تعيّنها الذات هي إدراك للعالم الذي ستدخله؛ مما يعيش الشاعر بحالة من التخييل الخلاق، وهي الحالة الفوقية للعمل ضمن العالم المسحوب بساطه من تحت الآخرين، وهذا مايدفع إلى المتعة الشعرية والعمل تحت خيمة الذات العاملة التي استوطنت في عالمها الجديد .. (( إنّ الفكرانية ترى جيدا أنّ "سبب الشيء " و " سبب الفضاء " يتشابكان ولكن تحوّل الأول إلى الثاني. فالتجربة تكشف، خلف الفضاء الموضوعي الذي يتموضع فيه الجسد في النهاية، عن فضائية أولية لاتكون التجربة سوى مُغلـّـفة لها وهي تذوب بكينونة الجسد بالذات. تعني كينونة الجسد الارتباط بعالم معين . – ص 130 – تماسك الجسد الذاتي – ظواهرية الإدراك – موريس مرلو بونتي –
لاتتموضع الذات في حدود المكان العادية؛ فهي تفتش عن اللامحدود، وكما تفتّش عن عالم اللامحدود، كأن تقودنا من خلال انفتاحها إلى ماوراء الذات أيضا، لذلك تخمين تصوراتها يبتعد أكثر كلما نقبت عن تواجدها، وبالتأكيد هي تحاول الاستقرار بمساحة أوسع مما يكون، لكي تستطيع أن تعلن حركتها بحرية وبحركة تامة؛ لذلك تختار ما لا تختاره ذات أخرى، فكلّ ذات هي ملكة واقعها الفعّال، لتصبع ذاتا فعّالة، مما ترسل لنا مباهجها الكتابية .. لانستغرب بأن المحسوس يرافق الذات، فتتراسل الأحاسيس معها، فالبصرية غير مستقرة طالما هناك لغة تحرّكها، وهي تنقب من خلالها عن مستقرات للإنتاج العيني، والتي بدورها ترسلها إلى الذات العاملة..
ينتمي الجسد الذاتي إلى السخط، ومن هنا ومن خلال المشهد الشعري المثقل بالتفكّر، نلاحظ بأنّ الشاعر يخرج من دائرة إلى أخرى، فينتمي إلى دائرة السخط، ويعبّر عنها بوسائل عديدة، ومن هذه الوسائل دائرة السخرية التي هي أقرب الدوائر للسخط الذاتي نحو التسلط وسحب الإيمان المتمركز من الآخرين، وهذا مايدفع الشعرية أن تنتمي أيضا من خلال المحسوس إلى السخرية.. تمنحنا هذه الدائرة ( دائرة السخط ) ثلاثة عوامل: عامل الفاعل الشعري لدى الشاعر؛ فيصبح الشاعر، العامل الفعال .. وعامل التفكّر الذاتي ومراسلة العالم الخارجي، فيصبح النصّ بجاهزية، لأن هناك حدث شعري تمّ تخميره .. وعامل الفضاء الذي هيأ المعنى للذات للعمل من خلاله ..ومن خلال العمل الذاتي تتهيأ الصور الشعرية ومنها الخيال السمعي " حسب ماجاء به ت.س.أليوت 1888 – 1967 م " وهو استحضار الصورة سمعيا، وهذا وارد جدا وعلاقة الموسيقى بالصورة الشعرية، والانتماء إلى الإيقاع أيضا؛ ولكن ما يهمنا هو الصورة المكانية التي تنطلق مع علائق خارجية وداخلية، فهي محمولة مع الذات من ناحية الخيال الرمزي أو من ناحية التخيّـل، وهناك بعض الصور التي تتمركز في الذهنية مما تؤثر على المحسوس، فيكون للمحسوس له الأثر الفعال في تواجدها، وعند الانتقال إلى ماوراء الواقع سيختفي المحسوس جزئيا، ويظهر الجزء الآخر، حيث يختفي العمل المباشر، وخصوصا إذا ماذهبنا إلى العمل الساخر، فيتحوّل المحسوس بعلاقة مباشرة من محسوس طبيعي – خيالي؛ إلى محسوس ساخر – خيالي.. وهنا تختفي عملية "الطبيعي "؛ وذلك لتواجد دائرة السخط الذاتي وسيطرتها على فعّالية الذاتي واللغة المحرّكة لها . ومن خلال علاقات المحسوس في العالم الأوّل؛ وظهور النضج الرمزي، وفيما بعد النضج الخيالي الرمزي، نلاحظ بأنّ المحسوس يعود إلى جنونه، لذلك يفقد بعض الشيء من علاقاته المباشرة ومايتبقى هو الجزئي من الكلّ؛ فيتحرر الجزء ويبقى الجزء الآخر، كأنه ينشئ جسرا مابين محسوسين، الأوّل يبقى كما هو ومع علاقاته الخارجية، والثاني ومن خلال تحرره يسعى إلى الجنون الخلاّق؛ فتبدأ المراسلة مابين الجزأين، الخارجي مع علاقاته والداخلي مع مكوّنات وعلاقات جديدة.
المحسوس الكلـّـي المحسوس الجزئي الأوّل المحسوس الجزئي الثاني
طالما أن العالم الذي حولنا يعاني من التجزئة ويعاني من غياب الزمن المتواصل، نلاحظ بأنّ الشاعر لكي يكون متواصلا بشكله المنظوري، يبدله بعالم آخر، أو يتكئ على دوائر خلاقة تسعفه للوصول إلى المقدّس، وهنا أعني بأنّ المعاناة والحزن والخراب وكلّ مايؤدي إلى العدم، هم تماما مع سلسلة من المؤديات، ومنها دائرة السخرية والميول إلى أنواعيات للابتسامة، فلا نبتسم عندما نلاحظ هناك ابتسامة حزن، أو تأنيب، فهذه تجرنا إلى الاستهزاء، فالفروقات واضحة مابين ابتسامة الحزن وابتسامة الاستهزاء..
(( ولكن ماذا يعني الدخول في حالة الاستغراق هذه ؟ .. إنه يعني حضور الذات في لحظة الأبدي، حيث يتبدّد الزمان وينهار المكان، ولا يبقى إلا " الآن " و " هنا " . " الآن " بوصفه زمن الحلم، أو لحظة الهرب والتحرر من عذابات الزمان والمكان وضلالاتهما وعوائقهما . وبوصفه كذلك لحظة ولادة الحياة من قلب الموت ، والوجود من العدم ، والحرية من الضرورة، والرفض من القبول، وبوصفه أيضا لحظة انهيار الواقع وتجاوز زمنه، وبوصفه – قبل هذا كله – لحظة اندماج العالم بكليته .. – ص 44 – الذات الشاعرة في شعر الحداثة العربية - د . عبد الواسع الحميري )) .
تهشيم الزمن وإعادة بنائه الآن، ومن خلال تواجد الـ " هنا " وهذا يعني إبادة المكان أيضا، والذي يبقى معنا " الآن " والـ " هنا " وهما لحظة تواجد من جديد للوجود أولا، والحياة ثانيا؛ وهذا مايدفعنا نحو المحسوس الذاتي ونسبة تواجده الآني، والقصد من ذلك، من عرفَ اتجاهات المحسوس، عرف اتجاهات الذات، لأن الذات ماهية، وهي آنية وليست ماضوية، وفي حالة الماضي، هناك مبدأ التعمير من جديد مابين مبدأ " الآن " ومبدأ البناء الذاتي الجديدة، فهما يترافقان بالتجدد، لذلك عندما نقضي على الذات القديمة، في نفس الوقت نقبض على الذات الجديدة.
نستنتج من خلال حديثنا الأخير حول تهشيم الزمن العادي وإعادة بنائه من خلال مبدأ " الآن " بأننا نحصل على ذات حديثة، الذات التي تؤمن بانتقلاتها ماوراء الواقع، وتجتاز الواقع أو العالم الأول المعاش، لذلك فاللغة التي نعتني بها هي لغة الذات الحديثة خارج الـ " أنا " كي لانقع بمنزلق الـ " أنا " المتغيرة مابين الماضي والماضي، ومابين الماضي والحاضر، بل نرغب بحضورها الآني فقط، وحضورها المستقبلي، في طبيعة الحال، يرافق الزمنية تلك فعالية اللحظات التي رفضت الواقع المنهار وتجاوزت زمنيتها، وليس من الغريب أن تسبق الزمن أيضا، وهذا يتم من خلال التنبؤ الآني، وعلاقته بزمنية حاضرة ..
الزمن بالمحسوس
تعالج الرغبة الأشياء المحطمة، تلك الأشياء التي تراها الذهنية، وقد رأتها البصرية أيضا" وهنا الحالة نسبية وليست مطلقة " وقد تكون الرغبة من أجل التمنّي،، فأنت تحسّ الشيء؛ تلمسه، وهنا تحسّ الشيء تدركه، والمشاهد حول زمنية الفعل متواجدة، وفي حالة المحسوس، وانزياح الرغبة عنها، تدخل الذات بمنتهى جديد، وأعني بالمنتهى هنا، هو انتهاء الفترة الزمنية الذاتية، المتعلقة بالذات، والبحث عن الـ " هنا " وعن " الآن " من خلال رغبة الشاعر، وهي رغبة لابدّ منها في حالات التحوّلات الذاتية والبصرية، فالبصرية باقية لتبصر الأشياء المتواجدة، وتحطم اللغة القديمة، واللغة الجديدة هي التي تدفع التحديق نحو التجدد. لذلك عندما ندخل زمنية جديدة من خلال الرغبة، تختلف الحالة تماما، ونحن ندخلها مرغمين، فالمرء عندما يُحكم عليه بالسجن من أجل رأي أو فكرة مناهضة، سيدخل زمنية السجن مرغما، بينما الذي يذهب إلى الصيد البحري وهو يبصر الأمواج ومتعتها التلاطمية، فهي زمنية منعشة، دخلها المرء برغبة منه، لذلك فاللحظة الشعرية التي تمرّ، هي لحظة رغبة من الشاعر، ولو أبصرنا مابين النفس الداخلية وقوتها بالانتعاش، والنفس الداخلية وقوتها بالحزن، فسوف نلاحظ أنّ مصاحبة الحزن أقوى، وهي تؤدي إلى آلام، وتصل هذه الآلام إلى حدّ الشعور باليأس، ومن هنا لكي يتخلـّص الشاعر من هذه الآلام نلاحظ أنه يتابع حالات من الجنون، فيسخر من الحزن، ويسخر من الآلام، ويسخر من البيئة التي أنجبت هذه المتاهات .. ولكي نعيّن مابين المحدود واللامحدود بعض حالات اللامتناهي، فسوف تدفعنا الرغبة نحو تشخيص بعض العلامات التي تؤدي إلى اللامتناهي؛ وهنا حالات المحسوس وتجزئته مابين الكتابة والاهتمام الذاتي ومابين الجنون واختيار زمنيته :
البرهة : وهي تمتد مابين الثانية والستة شهور ..
اللحظة التفكرية: وهي زمن وقوع الفعل وانتهاء الرغبة منه ..
اللحظة : وهي الرغبة التي تمر بزمن قصير جدا، خارج المحدود وعبر اللامتناهي ..
الرغبة الزمنية : زمنية الاختيار الكيفي مابين القبول ورفضه ..
زمن الكتابة: حالات المحسوس الجزئية ..

google-playkhamsatmostaqltradent