recent
أخبار ساخنة

معجمية شعر لودي شمس الدين كدليل على شعرية الشعر المنثور

معجمية شعر لودي شمس الدين كدليل على شعرية الشعر المنثور
سلمان عبد الحسين – شاعر كاتب بحريني 

بقدر ما أثار الشعر المنثور جدلا واسعا حول هويته الشعرية وإن كان يعتبر شكلا شعريا ثالثا مضافا للشعر العمود وشعر التفعيلة أم لا، فإنه في المقابل أخذ منحيين في محاولة شق طريقه ليكون ضمن الحالة التدوالية ثقافيا وأدبيا في مختلف الساحات الثقافية والأدبية.

المنحى الأول: هو دخول الكثير ممن يستسهلون كتابة الشعر إلى الساحة الشعرية تحت مسمى شعراء وشاعرات من باب الشعر المنثور، وضمن نصوص استسهالية في الكتابة تفتقر إلى أبسط قواعد الكتابة في أي اتجاه فضلا عن كتابة الشعر أو تسميتها شعرا من الأساس.

ساعد على ذلك مؤخراً كثرة الصفحات الأدبية والثقافية غير المتخصصة كمنتديات افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، وتهاون القائمين عليها في شروط النشر ضمن لعبة الاسترضاء الواسعة لهذه الشخصبة أو تلك على حساب الشعر وقوانينه الصارمة في تحديد الشاعر من غيره.

المنحى الثاني: تطور الشعر المنثور على مستوى أدوات كتابته من جهة الأسلوب وصناعة الصورة الشعرية وتنفيذ الحبك الدرامية البانورمية للنص على أساس الإثارة والتشويق والمضمون الفلسفي والكشفي التأملي ضمن المساحات الحرة التي يمنحها الشعر المنثور في هذا الصدد جراء عدم التزامه بوزن ولا قافية. 

فضلا عن تطور قاموس النص الشعري الذي ينتمي في خلفية نشوئه إلى الأدب الغربي واللاتيني ضمن نسق أدبي لا يجعل للإيقاع الشعري بتفعيلاته العروضية السائدة في الشعر العربي أية سلطة أبوية وصائية على النص، فيقرر على أساسها شعرية النص من عدمه.

في هذا السياق، فإن القاموس هنا لا يعني المفردة المجردة في النص، وإنما يعني مستويين من صناعة القاموس الشعري للشاعر.

المستوى الأول: المفردة المركبة القائمة على توليف كلمتين أو أكثر من أجل تصنيع مضمون إيحائي يختلف عما توحيه الكلمة المفردة في سياق الجملة، وهذه ميزة تركيبية يختص بها الشعر الحداثي الذي أبدع في صناعة المفردة المركبة القائمة على توليف المتناقضات لتظهير تركيبات لفظية دلالية مختلفة تماما عن الدلالات التي توحي بها الكلمة المفردة.

المستوى الثاني: هو صناعة الجملة الشعرية المكتملة المعنى والخيالات ضمن لعبة التتابع العضوي للجمل الشعرية الكاملة المبنى في النص من خلال الإدماج بين الأنا الشعرية وقدرتها على إنتاج صور توصيفية تركيبية تعطيك مشهدا دراميا بنوراميا مكتملا قائما على مباشرة الرواية حينا وحينا آخر على رمزية إخراج النص صورا وأخيلة وأسلوبا ولفظا.

ومع ملاحظة أن هذه القاموسية أصبحت صفة لازمة للأنواع الثلاثة التي تكتب شعر الحداثة (العمود والتفعيلة والنثر)، إلا أن شعراء النثر الحقيقيين حين أخرجوا الإيقاع كسلطة أبوية من حساباتهم وهم يكتبون نصوصهم الشعرية، تفنَّنُوا كثيرا في صناعة قاموس شعري في بعده التركيبي وفي صناعة الجمل الشعرية القائمة على التميز والفرادة دراميا وبانوراميا مستفيدين كثيرا من بيئة المحضن الأول التي احتضنت هذا النوع من الكتابة، فجاءوا ابتداء بنفس قاموس شعراء تلك البيئة ونفس مواضيعهم وصورهم وأساليبهم في الكتابة، ثم بدأوا شيئا فشيئا في تبيئة الشعر المنثور محليا وعربيا بعد أن أخضعوا النتاج الغربي منه للترجمة المحترفة لنصوصه، فصارت نصوصهم بعد تبيئتها مصدر ترجمة عكسية للغات تلك الدول.

ضمن هذا السياق، تأتي الشاعرة اللبنانية الجنوبية الشابة لودي شمس الدين بوصف شعرها ترجمان حقيقي لتطور الشعر المنثور ابتداء من أخذه من بيئته الأم كثقافة وحيدة اعتمدت عليها لاستقاء الشعر، وصولا لتكوين قاموسها الشعري الخاص بشقيه المذكورين أعلاه من دون كلفة الدخول في السلطة الأبوية للإيقاع العروضي كمدخل للاعتراف بها كشاعرة ضمن الإطار التقليدي لتنصيب الشاعر أو الشاعرة عندنا.

وما يميز لودي شمس الدين أنها ليست من الفئات المتطفلة على الشعر لمجرد رغبة في الكتابة ومحاولة للظهور في الوسط الأدبي على هذا الأساس، بل هي شاعرة وجودية ترى الشعر في فهمها الفلسفي له أنه الوسيلة المثلى للبقاء على قيد الحياة في مواجهة الموت الثقافي والمادي.

وقد ساعدها الاجتهاد في فهم كيفية صناعة الشعر ضمن الثقافة الغربية واللاتينية وعبر قراءتها التشبعية والإشباعية لأبرز الشعراء هناك أن تمسك بوعي واحتراف بأداة فاصلة وفارقة من أدوات التعريف بالشاعر كونه شاعرا أو غير شاعر، ألا وهو القاموس الشعري ضمن الفهم الحداثوي له، ما جعل كونها شاعرة بامتياز خارج سلطة الإيقاع مفسرا ومبررا، وما جعل كتابتها للشعر المنثور ابتداء من دون المرور بكتابة شعر العمود والتفعيلة أكثر من كاف لاعتمادها شاعرة متفوقة بامتياز تعي قوانين الشعر وتكتب على أساسها.

ومع أهمية سلطة الإيقاع العروضي في كتابة الشعر، غير أنه لم يعد محددا وحيدا لكون الشاعر أو الشاعرة يحضون بهذه الصفة أو لا، فالإيقاع إن لم يكن فطريا، فقد يأتي بالاكتساب، وقد يكتسبه من يرغب في تعلمه هو دون معرفة شروط كتابة الشعر الأخرى، فيكتب شعرا نظميا إنشائيا تقريريا ليس فيه من مسمى الشعر إلا عروضه.

أما الذي يعي وظيفة الشعر كشاعرتنا المذكورة ويجتهد في اكتساب أدواتها كاملة وفي وعي الكتابة بها، فإنه يفرز نصه ضمن خانة الشعر بناء على مواصفات النص الفنية تلقائيا، ويفرز نفسه كشاعر من خلال تلبسه لكل أدوات الشاعر الضرورية في إنتاج النص وفي وعي كيفية كتابته.

وهنا، يجب لفت الانتباه إلى نقطة مهمة في الحكم على الشعر المنثور بأنه شعر أو غير ذلك، ألا وهي مسألة الفرز والإحالة على الأشكال الأدبية للكتابة من أجل تحديد هوية النص المكتوب عبر تحديد مواصفاته، إذ لا يمكن ألا يكون للنص المحترف الجدي هوية واضحة بناء على مواصفات وخصائص محددة.

مثلا، القصة لها مواصفات تختلف عن المقال، والمقال له مواصفات تختلف عن الخاطرة، والشعر بمسمياته المختلفة له مواصفات تختلف عن كل أشكال الكتابة الأخرى، فإذا فرزنا النص بناء على مواصفاته، أحلناه إلى شكله الأدبي الذي ينتمي إليه تلقائيا ومن دون فلسفة زائدة ولا تنكر لهويته المحال لها.

وفيما خص الشعر المنثور، فعدا موضوع الإيقاع والعروض، فإن ما يحدد هويته كنص شعري هو ثلاثة أمور يشترك فيها مع الشعر العمودي وشعر التفعيلة، وهي كالآني:

الأمر الأول: آلية إنتاج النص على مستوى الصورة الشعرية والقاموس الشعري كما هو مشروح أعلاه، وفي هذا يختلف الشعر عن الأشكال الأخرى للكتابة، ويمكن أن تكون هذه الآلية مائزا حقيقيا وفارزا لكون النص شعرا مع عدمه.
الأمر الثاني: أسلوبية كتابة النص الشعري تختلف كثيرا عن أسلوبية كتابة الأشكال الأدبية الأخرى.
الأمر الثاني: دفقة النص الشعري المنثور التي تحرك عبرها كل من آلية إنتاج النص وأسلوبية كتابته ضمن مركزية أنا الشاعر والمساحة الشعورية والرمزية التي تغطيها من أجل صناعة نص شعري مختلف في ميزاته عن الأشكال الأدبية الأخرى.

وهذه مواصفات إجمالية ثلاثة يمكن تفصيلها في دراسة منفصلة حول قوانين كتابة الشعر المنثور، وبما يؤكد أن الشعر المنثور لم يأت من فراغ ولا ينبغي له أن يأتي من فراغ، وإلا لن يكون شعرا من الأساس. 

بناء على كل ما تقدم، يمكن طرح صفتين رئيسيتين من المواصفات التي يمتاز بها شعر لودي شمس الدين في استخدامها للقاموس الشعري الحداثي من خلال طرح عينات من نصوصها.

الصفة الأولى: يمتاز قاموس لودي شمس الدين الشعري أنه قاموس تصويري وصفي إلى أبعد التفاصيل، استرسالي في تشبيه الصورة دون انقطاع، وكأنه شقائق نعمان تطوق كل جسد النص وتزحف على كل مساحاته لتشكيل غابة تصويرية متشابكة وممتمدة من دون توقف، قائمة على اللامتوقع من الألفاظ المركبة والجمل الشعرية الكلية والطولية، لتصل في النهاية إلى نص بانورامي بصورة كلية تحتوي جدائل متهدلة لصور جزئية أشبه بمربعات لرسمة ما، لا يمكنك إنقاص مربع من هذه المربعات إن كنت تريد التعرف على الصورة الكلية للوحتها الفنية المرسومة شعرا.

وهذا الكلام ميزة ثابتة ولازمة في كل نصوص لودي شمس الدين، وإليكم نماذج من نصوصها توضح المقصد.

من نص لها تحت عنوان من أخمص قدميك حتى بكاء الملائكة

"تسقط السماء كخرز بلاستيكي داخل عيني لأني أحبك
صوتك تنهيدات ناي في حنجرة الريح 
وعزف عود شجي في جداول الماء الذهبية أول الغسق"
انتهى الاقتباس

انظروا هنا إلى دقة توصيف الماء في القاموس الشعري للودي، فهو ليس أي ماء بل ماء لجداول ذهبية في أول الغسق، فهذه صورة توصيفية تفصيلية ذات بعد سيكولوجي في توصيف حالة المحبوب كما هو وفي أدق مشهدياته الدالة عليه كما تريدها الشاعرة تحديدا.

تكمل

تنزلق أصابعك كلؤلؤ عقيقي فوق عطرك وصدرك
فتتفكك الشمس كأقراص عسلية فوق أشجار السنديان

وفي هذا المقطع الوصفي الاسترسالي لا يبدو قاموس لودي الشعري في صناعة الجملة الشعرية مألوفا، بل يأتي باللا متوقع، وخصوصا حين تفكك الشمس إلى أقراص عسلية ضمن مخيلة لا متوقعة في تصوير الشمس، والعسلية هنا دلالة على مقبولية المحبوب ورغبتها فيه، عبر استخدام مفردتي قرص، على غرار أقراص منع احتقان الحلق بنكهة البرتقال والليمون، وهنا اختارت القرص العسلي بوصفه باعث على التشهي والرغبة.

وما يراد هنا من توصيف صورة لودي التركيبية التي ينتجها قاموسها الشعري الفريد من نوعه ليس التوصيف في حد ذاته، فهذه مهمة يستطيع القيام بها أي ناقد تأوُّلي للنص، وإنما المراد اكتشاف تقنيات القاموس الشعري القائم على صناعة الصور الشعرية الكلية من خلال شقائق نعمان التفاصيل الجزئية للصورة الزاحفة على كل جسد القصيدة بطريقة استرسالية لا تخضع للتوقف حتى تنتج كامل الصورة المراد تصويرها بطريقة لا متوقعة وضمن خارطة لغوية تحددها مخيلة الشاعرة وتجلياتها في صناعة النص.

مع ملاحظة أن اختيار كاتب المقال لنماذج شعر لودي جاء عشوائيا وليس انتقائيا ما يرفع مستوى التحدي إلى تأكيد القول: أن كل نصوصها على هذه الشاكلة إن لم تكن أعمق مما طرح من نماذج.

وحتى يتسنى فهم هذا المعنى أنتقل من الاقتباس الجزئي إلى طرح النص كاملا للقراءة

النص

من أخمص قدميك حتى بكاء الملائكة

تسقط السماء كخرز بلاستيكي داخل عيني لأني أحبُّك ...
صوتكَ تنهيدات ناي في حنجرة الريح...
وعزف عودٍ شجي في جداول الماء الذهبية أول الغسق..
تنزلِق أصابعي كلؤلؤٍ عقيقي فوق عطركَ وصدرك...
فتتفكك الشمس كأقراصٍ عسلية فوق أشجار السنديان...
قُبلة الجوري تتقوس تنحدِر وترتفع فوق قلبي،متيمة بك...
جسدي البنفسجي فوق جسدكَ سيف ينحر عنق الحياة...
تحترِق الحمائم بالضوء وتُغلق الستائر بالغيم والضباب ...
في عزلتي ووحدتي ينام ظلّكَ كرغوة ثلجية فوق نهدي...
حُبنا كالبحر الهائج على تراتيل الشوق الفضية...
يشطر الزمن الصحراوي إلى أقمار حمراء...
 ببراءة الفلاحين في قُرى الجنوب مُتيمة بك...
من أخمص قدميكَ حتى بكاء الملائكة على صراخ الموتى...
إن ابتعدت لمسافة سحابة مخملية عن نجمة عمري...
يصبح الزنبق تُرابا،الشمع تُراب وأغصان الزيتون تُراب...
احرق حبات دمي بنار أنفاسكَ الحادة ولا تترك يدي...
متيمة بك لأجل الله،لأجل الشعر ولأجل السعادة...
جنوباً يجري دمعي كالنهر ويسقط جسدي كطيرٍ حزين...
صاخب صمتنا يا حبيبي في المسارح والمقاهي البنية...
لا تُنسى أزهار السحلب الهرمي في القدس ولا أزهار الياسمين في دمشق...
لا أنساكَ متيمة بك،عروقي الجنوبية مُتربصة بشقوق شفتيكَ الليلكية...
تتشقق جبال "الريحان" على وشوشات ضحكاتنا الزرقاء...
وينهض الفجر كطاووس آسيوي فوق عشب القدر...
مُتيمة بك لولاكَ لتآكل لحمي بأسنان الغيب...
ولولا الشعر لأكرمني الله بالموت،مُتيمة بك...

الصفة الثانية: يمتاز قاموس لودي شمس الدين الشعري بالمقدرة الفائقة على صناعة المفردة الشعرية المركبة ضمن الحقل الدلالي الحداثي التي لا يعترف بقيمومة النص من مفردة قائمة على كلمة واحدة يمكن أن تكون لها موحيات دلالية بمستوى موحيات المفردة المركبة وما تصنعه من معاني وصور جديدة غير معتادة في القاموس الشعري التقليدي.
وفي هذا الاتجاه، فإن الأدب الغربي واللاتيني الذي استقى منها قاموس لودي الشعري مفرداته المركبة أعطى للشاعرة ميزة الإتيان بما هو غير مألوف من التراكيب المعجمية الشعرية، من دون أن يكون ذلك استنساخا، بدليل أن مواضيع النصوص مرتبطة بأحداثها وشخصوصها وللغتها ببيئة الشاعرة وتفاعلاتها اليومية والتفصيلية معها.
إذ لا يوجد نص للودي منقطع عن البيئة التي تنتمي لها وعما تشعر به من قضايا وهموم، وهنا تأتي مقدرة التطويع والتبيئة عند الشاعرة لقاموس الأدب اللاتيني والغربي من جهة، ومقدرة صناعة القاموس الخاص بها بحرفية تركيب المفردات والخروج منها بمعاني دلالية ساحرة وغير متوقعة، بل غير مألوفة في الوسط الشعري الذي تنتمي له، ما يعطيها ذكاء اختيار بيئة إنتاجها للقاموس الشعري، ألا وهي بيئة الأدب الغربي واللاتيني، وذكاء تبيئته محليا بفرادة لافتة بما يجعله غير مألوف مقارنة بالشعر السائد حتى بالنسبة للشعر المنثور لشعراء وشاعرات غيرها من ذات البيئة.

ومن نماذج ذلك .. نصها " إيزيس: لا ضوء للغرقى في كف البحر

"الضوء ينشطر لحبتي كرز تحت رماد الغيب
طير أخضر يصعد على حائط الوقت الناري، قدر
طير رمادي يموت بحبال المطر الثلجية، قدر
طير يصعد وطير يموت، إنه القدر
القمر الأسود هلال مكسور فوق وجه العالم المالح
جثث حية في الكهوف، في الغابات والحقول
الأضلع خليج، والجسد إناء رخامي سقط من السماء أول الصبح

في هذا النص .. تجد مفردة شعرية بثلاث كلمات تركيبية أو باثنتين ضمن جسد متماسك مكثف للنص ينتج موحيات دلالية سحرية غير متوقعة خارج مألوف القاموس التركيبي للشعر الحداثي، فضلا عن القاموس التقليدي الذي يعتمد الكلمة الواحدة لتشبيك جسد النص وبنائه الإبداعي.
وأهم ما يميز هذه الكثافة التركيبية للمفردات أنها كثافة ترميز وأخيلة وصور وتقابلات التضاد في الكلمات المركبة وكلها من مواصفات النص الشعري ضمن آلية إنتاجه، مع فارق فرادة قاموس لودي الشعري عبر تصنيع معجمية جديدة للنصوص غير مألوفة في الشعر الحداثي ككل.

ولمعرفة هذه الخاصية أكثر إليك النص المذكور كاملا

إيزيس لا ضوء للغرقى في كف البحر 
تهدهِدُ الماء الزنبق والبنفسج،الكون ليس نايا...
السنوات الماضية مضت كشفرات رصاصية وجرحت ماء عيني...
قلبي كعصا الريح تائه بين أنياب الذكريات العوجاء....
وعيني كدوامة دم تمتد وتتسع حول قرص الكون المُنتظر أبداً...
إيزيس لا ضوء للغرق في كفّ البحر ودموع الصخر...
الضوء ينشطِر لحبتيّ كرزٍ تحت رماد الغيب...
طيرٌ أخضر يصعد على حائط الوقت الناري،قدر...
طيرٌ رمادي يموت بحبال المطر الثلجية،قدر...
طيرٌ يصعد وطيرٌ يموت،إنه القدر...
القمر الأسود هلال مكسور فوق وجه العالم المالح...
 جثث حية في الكهوف،في الغابات والحقول...
الأضلع خليج والجسد إناء رُخامي سقط من السماء أول الصبح...
السنابل تحلم وأطفال الوطن تُشقق النسائم بالبكاء... 
فأنا ظلّ عشبي ورغوة زبد حليبية فوق مرايا الحياة...
لست مِلك ضحكات أبي ولا مِلك شفتي أمي اللوزية...
 بعد موتي أقرأوا القرآن والشعر فوق قبري...
واتركوا بخور أصابعي يحترق بأنين الزمان...
شراييني مفاتيح حرة تشقى بالبحث عن العزلة...
يمامةٌ فوق سرير الله تتحد أنفاسها بالموت المؤجل...
وبلبل بُني شردته حبات الرمل فوق الجرح...
سنوات حديدية، أيام نحاسية والعمر زهرة كاميليا...
طيرٌ يصعد وطيرٌ يموت،إنه القدر...
الصمت يرتجف كسنجابٍ خلف سنديان المجهول...
وكُلّ ما يحيط بي فارغ وهش...
ببطء وبأعصابي اليابسة أعترف باللاوجود للأمان يا الله...
طيرٌ يصعد وطيرٌ يموت، الحزن نسر يجوع كل فجر...
والتين الشوكي يبتلِع أعناق الريحان النحيلة...

ختاما: يمكن القول أن هناك مواصفات أخرى لقاموس لودي شمس الدين الشعري بملامح بدائية وتحتاج إلى المزيد من الحفر الإبداعي فيه لتتحول إلى ملامح كاملة ناضجة وفاتنة وساحرة ومغايرة عن غيرها من القواميس، ومنها على سبيل المثال أن لدى الشاعرة مقدرة لافتة على إنتاج قاموس شعري خاص بكل نص مختلف في مفرداته التركيبية وجمله الشعري عن النص الذي سبقه ولكنه محتاج لمزيد من كتابة النصوص لاختبار هذه الصفة التي تشي بتطور اضطرادي في تجربة الشاعرة وعدم خضوعها لرتابة النص واستسلامها لما وصلت له من إنجاز.

لكن ما يجب أن تراعيه الشاعرة كملاحظة ختامية هو أن تخفف شيئا ما من تشبيك قاموسها الشعري ومفرداته وجمله الشعرية بنظام الغابة الأفقي والطولي أو بنظام شجرة المفردات التركيبية الزاحفة على جدران النص، بأن تعطي فسحة للأسلوبية في الكتابة عبر التشكيل البانورامي الذي تنتجه الأنا الشاعرة في النص، فيكون النص مزيجا من الرمزية الشعرية التي يدل عليها قاموس لودي الشعري المتفوق، والحكائية المسرحية أو السينمائية التي هي إحدى أهم ميزات الشعر المنثور وشعر التفعيلة في اختلافهما مع الشعر العمودي الذي يفتقد التعاطي مع هذه الميزة بحريتها الموجودة في النثر والتفعيلة، من دون أن تكون هذه الملاحظة محاولة لترسيم شعر الشاعرة ولا كيفية كتابتها له، فذكاؤها في الكتابة كفيل بأن يجعلها تجد الصيغة المناسبة لتطوير نصها الشعري ومزاوجته ودمجه رمزيا ودراميا.



google-playkhamsatmostaqltradent