recent
أخبار ساخنة

حكايات عن أبي ... الشاعر عبدالكريم كاصد

حكايات عن أبي

حلم:

زارني أبي ذات ليلةٍ 
في مسجدٍ أم مجزرة؟
               لا أدري
واقفاً كنتُ..
أم أصلّي؟
            لا أدري
ولكنّني رأيتُ ذبيحةً
ودماً يشطفونهُ بالماء
وعيني أبي الصافيتين 
وهما تعتذران عن المجيء
 
الصلح:

مرّةً وقفَ كالسدّ بين قبيلتين 
فاتحاً ذراعيه..
مردّداً في الساحة
كمنشدي البلاط
أسماء الذين مزجوا الدم بالدمع
حتّى أطرقوا

هامش:

وبعد أن أطرقت القبيلتان، نهضتْ عباءةٌ، وقفتْ في الساحة مزدريةً أسماء من مزجوا الدّم بالدمع، 
فرماها بعصاه، و
ظلّت قبيلتها مطرقةً..  
 
الجنازتان:

كالخضر انطلق منتعلاً خفّين 
مثيراً سحاباتِ غبارٍ صغيرة 
وانكفأ عائداً بجنازةِ صديق 
حتّى إذا بلغَ نخلةً
ونساءً يبكين في الطريق
حمل الجنازتين 
وأقبلَ.. 
فزعَ الناسُ من السرادق،
وظنّوه ميّتاً
ولم يصدّقوا 
 
بلاد ما وراء النهر:

في بلاد ما وراء النهر 
كان ثمة أكواخٌ سوداء
وحيواناتٌ تثرثر مع الأطفال وأقفاص 
وكان ثمة نهرٌ صغيرٌ.. صغير

لا يعبره أحدٌ
غير رجلٍ يتبع عصاهُ في الليل 
وينهرُ مرضَهُ كالكلب
 
الضيف: 

حين رجعَ كاصد بن حالوب من صوفيا 
مرتدياً من جديد
عباءتَهُ،
ومرضَهُ،
فاجأهُ أحدُ الزائرين 
قافزاً من كرسيّهِ البعيد:
"سنكون أفضل"
فابتسمَ وأشار إليهِ بهدوء:
"سنكون أفضل"لو عدتَ إلى كرسيّك أيها الضيف" 
 
عوز:

في المساء
كان ثمة حقيبةٌ 
وأطفالٌ 
وخبز 
ولاشيء غير ذلك 
وحين غمرَ البيتَ الضياء
ولم يجد الابنُ غيرَ الحقيبة 
والأمّ غيرَ الأطفال 
تناول الأبُ خبزَهُ بهدوء
ماسحاً يدَهُ التي أضاءها النهار
 
تساؤل إلى الدكتور ماركس:

أحقّاً كان أبي سلعةً
بيديهِ الشاحبتين 
وبدلته الزرقاء؟
 
احتجاج:

مرّة سألني 
كيف يعودُ هؤلاء بعد بضعِ سنين 
بألقابٍ وياقاتٍ بيضاء
وقاماتٍ ليّنةٍ..؟
وحين أجبتُهُ باقتضاب 
صرخ بي: 
ولكنك تقرأ ليلاً ونهاراً 
ليلاً ونهاراً
تاريخ: 

قلتُ لأبي ذات يوم:
كثيرٌ أولئك الذين يدخلون التاريخ 
كما تدخلُ العاهرُ السرير 
وأكثرُ منهم أولئك الذي يخرجون من التاريخ 
كما تخرجُ العاهرُ من السرير
فلم يفهمْ
 
بعد الدفن: 

بين نهارٍ وآخر 
كان يجلسُ في ركنهِ المعتاد
يحلقُ بأدواتٍ قديمةٍ اقتناها، ربما، قبل أنْ أولد 
وحين مات 
وحملتُهُ بيديَّ هاتين 
وواريتهُ التراب الذي انحنتْ عليهِ أمي بهدوء
كأنها تخاطب حيّاً
رجعتُ لأجدهُ في البيت 
أمام مرآته الصغيرة 
يحلقُ 
ويحلقُ 
بأدواته القديمة 
بأدواتهِ التي اقتناها قبل أنْ أولد

أربعينية: 

قبل موته لم أزرْ مقبرةً 
لم أرَ أمّي وهي تحدّقُ في القبر كأنّها تحدّقُ في السماء
لم أرَ خاصرتي وهي تتشبثُ بأصابعي كأنني أضحيتُ نصفين 
لمَ أرَ المقرئ الصغير وهو يقفزُ كالجندب 
ويتلو آياتهِ في الشمس
google-playkhamsatmostaqltradent