recent
أخبار ساخنة

الحداثة وجمالية الألفاظ في ( رأس تقد به الرغبة) للشاعر الحسين بن خليل.بقلم / القاص الباحث / غانم عمران المعموري

الحداثة وجمالية الألفاظ في ( رأس تقد به الرغبة) للشاعر الحسين بن خليل.
بقلم / القاص الباحث / غانم عمران المعموري
يرى فرويد " أن الفنان نبعاً من رغبته في أن يشبع شيئًاما, ويكون في الغالب هنالك عائق بينه وبين إشباع هذه الرغبة مثل الحظر الاجتماعي أو التحريم الديني وفي النهاية يتمكن من أن يجد لنفسه مكانًا صلبًا على أرض الواقع عن طريق ما نسجه من خيال..."
كلما نظرة إلى ذلك الرأس الذي يمتلك عيناً ترقب وتلتهم كل لقطة عابرة أو نافذه إلى أعماق روحه غيّرة ورغبة منه في تطوّر مجتمعه لتأثره فيه وبأحداثه وبالوسط الاجتماعي الذي انصهر وتفاعل معه النابع من انتماءه وإحساسة, لم تكن رغبة شخصية عابرة بل نابعة من بوتقة ذاته المتأتية من مُعاناة عاشها الشاعر ونفذت إلى روحة حتى انصهرت تلك الشظايا المتولده من انفجارات نفسية اجتماعية داخلية وخارجية تتوّهج ألحاناً عذبة وألفاظاً كالنسمة الجميلة الّتي يتلقاها القارىء فتحدث في داخلية امزّجه احساسية تُحرك ما خُفية من هموم قد استنهضتها كلمات الشاعر ...
تنبثق العنونة من الوظيفة القصدية عن علاقة قائمة بين العنوان والكاتب تكون قصدية متضمنة لأبعاد ذاتية للمؤلف وتنطوي هذه القصدية على إيديولوجيا وانفعالات وأحاسيس، أمّا الوظيفة التأثّرية فتكون بين العنوان والقارئ مجسدة الضّغط الذّي يمارسه العنوان على القارئ يتم من خلالها تحريض المتلقي وإثارته لتشكل عتبة للاستجابة..., أمّا الوظيفة الاحالية فتحدّد العلاقة بين الرسالة و الشّيء أو الغرض التّي ترجع إليه وانطلاقا منها، أي الوظيفة الاحالية يكون العنوان إعلانا عن محتوى النّص ومضمونه فالعنوان يحيل عن النّص، والنّص يحيل على العنوان.
بينما تنشأ الوظيفة الشّعرية بين العنوان و الايحاء و تهيمن على الوظائف الأخرى من خلال بعدها الإخباري، و حضور البعد الجمالي لها. فيكتسب العنوان من خلالها قوة و قدرة كبيرة على الإيحاء حيث يشرف العنوان على فضاءات التأويل ويتحول من خلاله كل مدلول إلى دال جديد يستمر في خرق العرف و العادة1.
لذلك كان " رأس تقد به الرغبة " تلك التمظهرات الداخلية والخارجية التي تحيط بل النّاص تأثرًا وتأثيراً قد كسبته قدرة الترصد لكل صغيرة وكبيرة إلا وصنع منها مُنتج شعري توالد من التوّهج الإحساسي والعاطفي والشعور بالمسؤولية الفردية والجمعية لبث رسالته الشمولية أتجاه أفراد معْنيين أو المجمتع الذي يعيش فيه لكي يُحدث ثورة في داخل نفس المتلقي الواعي...
وعنوان الكتاب في مفهوم "آيزر" (نوع من التفاعل الوجودي بين الذّات القارئة والبنية النصّية لتوليد معنى ما وقيمة أدبية ما, لا تعودان بالتحديد إلى ملكية خاصة بالنص, ولا إلى ملكية خاصة بالقارىء, ولكنها تعود فقط إلى تلك النقطة التواصلية التي توجد بينهما, فالتواصل بهذا المعنى هو فعل منتج للدلالة وليس مستهلكاً لها)2.
كانت فلسفة الموت حاضرة في قصائد الحسين بن خليل كما في قصيدة " الضحك على رفات الأرض" لكنها فلسفة متجددة صنعها حسب مفهومة وتقمصه اللفظي البلاغي ووفق مديات الجمال الذي يؤمن به ويرى الموت الذي يُلاحق مُحبيه ليس الموت الذي عُرف حسب تفسير الفلاسفة وعلم الأرواح, موت مختلط بدماء الشهادة والفداء, موت بطعم الحياة الأبدية التي ينالها الشُهداء الذين سوف يُخلدهم التاريخ ولكن كانت روح الشاعر الحسين- عندما كان ينزف مشاعره على بياض الورقة البريئة ويّدون- تهيّم مع أرواح الشهداء يبحث عن فأس إبراهيم لُيحطم أصنام الخوّنة وبائعي الضمير لينقل لنا صورة رائعة عن التفاني وحب الوطن الذي تربع في قلبه المُحب وهذا نابع من فلسفة النّاص الشخصية في الحياة وهذا معيار فلسفة النص بالإضافة إلى معيار سيكولوجية النص والذي ذهبت إليه نظرية التحليل والإرتقاء للناقد العراقي ساعد الساعدي3.
كما أنه بأسلوبه الرمزي الذي غلَفه في نهاية قصيدته "والأُفْيون علاج التائهين" لينقل لنا صورة إجمالية عن طريق تقصي جمالية النص وانتقاء الألفاظ والمرادفات المتناغمة فيما بينها لتُشّكل نسيج مُقنن وفق آلية ديناميكية حركية تَمد مع القارىء جسور التواصل والاقتراب من مضمون النص والتذوق الجمالي للمفردات التي تبعث عنده روح التجدد والتفكر والإندماج مع روح النص لا شكله الذي قد يولد نوع من الملل والنفور من التواصل مع نثر الشاعر وبالتالي يضيع المغزى من القصيدة الّتي كانت تستهدف بالأصل قراء غير مُحددين..
والأُفْيون الذي قصده الشاعر في نهاية قصيدته متأتي من خلال فلسفته الشخصية الّتي تولدة له من خلال حياته داخل المجتمع الذي يعيش فيه ونتيجة التراكمات والخبرات والتجارب الّتي طبعت في نفسه العديد من الأسئلة وعلامات الإستفهام ولم تكُ تلك الكلمات التي نزفها على ورقة والتي سبقتها قصاصات صغيرة قد مَزق العديد منها تحت جنح الظلام والهواجس التي تهبط فتمكث في النفس حتى كأني أرى الشاعر عندما يجهر" 
عياراتكم النارية على المشيّعيْن
إغتصاب للشهادة
فهي لَمْ تفْتح ذراعيها بَعْدُ لِلْعناقِ
مِنْ تحْتي تَئنُ الأرض وفوقي تتصاعد أبْخرةُ الكرامةِ شاكيةً إلى الله.
تسيلُ دموعه على خديّه وأسمعُ صوت بُكاءه في الليل عندما تكون الناسُ نيّام إلا الأرامل واليتامى أراهم يتنفسون عبير كلماته ويواسوه ويواسيهم حتى تلتحم روحه مع أرواح الشهداء فيطلّون على مُحبيهم أثيريّاً هكذا تأتي الكلمات نثراً على بياض الورق ليس اعتباطياً وإنما قد احتضنتها كل مشاعر وأحاسيس الشاعر وبللتها دموعه فتنسال إلى قلب المتلقي بكل شفافية حتى تتربع في وجدانه ..
وفي قصيدة أخرى" عندما يتعرَّى البيْض" يَهيّم الشاعر في الطرقات مع اليتامى ينظر بألم إلى أفواه الأرامل اليابسة فيبوح " تَعالَ يا مَلِكَ الجهات الأربْعة
قفْ بعُكازك على مرامي الرعْية
وارْضعْ مِنْ أثْداءِ حفيْداتك ( قواطي) الكُولا
تذَوَّق المزابل جيْداً.
وقصيدة " الثوْرةُ محْفوْفةٌ بالعُرْف" تقْذف الأمهات ولاداتها في أحضان السُلْطة 
هُنا وهُناك
الضراوةُ تقتات على وجُوه الجائعين.
وقصيدة " الرقص مع وجوه الجائعين" أنْت ايُّها الشَرف لا ترْقص على شَقْفَةِ الرغيف
تشيخُ طُفُولتي
في كل طرْقة بابٍ تسْتقْبل المُتبرِّعين.
وهنا يشير النّاص إلى نار الحرب التي لم يكتوِ بلهيبها إلا النّساء فالرّجالِ صرعى 
الحرب... ينتظرون كل طرف منهم النصر على الطرف الآخر ولاينظرون هل تلتحف 
الأرملة في فراشِها النصر؟ ! وما بال اليتيم اذا جاعَ أو تشرّد هل يُقدم له النصر لقمة 
خُبز يَسدُ بها رَمَقه ! ...
واذا حَزن أو تذكر أبيه مَن يَمسح على رأسِه ! النصر أم يكتفي النصر بشعاراتٍ مُزيفة للحرية والديمقراطية أم يقضي أيامه بمضاجعةِ الدنانير والنّساء ويترك الثكالى بين أنين وأشتياق حتى ينبت في شَفتيها شارب الرجال تخشى حتى النظر إلى المرآةِ خوفاً من اتهامها بالزنى ...لكل شيء ثمن فإن ثمن النصر الذي يُنادون هو سِرب من الأيتام دون مُعيل لهم أشار إلى ذلك توماس جفرسون (النصر والهزيمة يكلفان نفس الثمن) وأن هذا القول يتفق مع واقع حال كل الدول التي خرجت من الحروب منتصرة أم خاسرة فإن ما تخلفه الحروب من دمار في كل الميادين الإقتصادية والإجتماعية التي لها آثار سلبية نفسية تلحق الأيتام والأرامل ومايلتصق بهم من ألم طوال حياتهم وهذا ما ذكره أيضاً كريم الشاذلي (الألم هو الثمن الذي يجب أن نستعد لدفعه دائماً.. ثمن النصر والشرف والحياة الكريمة) كانت الالتفاته التي قصدها الشاعر في قصيدته .. 
 بحيث يحصل تعارف بين النص والقارىء يتم اكتشاف المتلقي لنفسه من خلال معرفته عبر مرجعياته الجمالية وخلفيته الثقافية التي يتمتع بها هذا من جهة ومن جهة أخرى يتضح النص من جوانب مخفية بحثها القارىء وتوصل إليها عن طريق التقصي والتأويل وإلى ذلك يشير الناقد والكاتب عبد علي حسن في كتابه الموسوم" سلطة القراءة (وعلى القارىء جلب ظلال المعنى الذي يخفيه النص إلى النور واظهاره إلى حيز الوجود, وازاء هذا الفعل الذي يقوم به القارىء في اعادة بناء النص لا كما اراده المؤلف لأن القراءات تختلف باختلاف الوضعيات التأريخية والمرجعيات وبالتالي فليس هناك قراءات متطابقة أبدا, فتجربة النص تختلف عن تجربة القارىء وقد تصل إلى التناقض, وهنا تكمن أهمية التأويل ومن ثم غناه)4. 
أراد النّاص أن يُلفت انتباه القارىء إلى مسألة مهمة عانت منها العديد من الدول العربية التي جعلت من الدين مَطيّة يركبونها حسب مصالحهم ومنافعهم الشخصية البحتة فيمزجون الدين بالسياسة لمآرب دنيوية وزّج الأبرياء في مطاحن دموية لاطائل وإلى انتفاضة الشعب ضدهم ...
كان رمز الحُسين (ع) الثائر ضد الظلم مع أخيه العباس حاضراً في قصائد الحسين بن خليل وفي قلبه ووجدانه مُنذ نعومة أظافره ذلك الرمز الذي ينهض حيثما يوجد ظلم في كل الأزمنة والأمكنة حتى عند الديانات الأخرى الغير مسلمة كما في قصيدته " ثورة بيْن الأقواس" بلا حياءٍ
كانتْ الشَريعةُ تُغْتصبُ على المِنْبرِ
بالإباءِ
إجْتَثَ الحُسيْنُ 
وثَنية السُلْطةِ.
الشاعر لم يضع نفسه في أُطر ضيقة فكسر الحدود الضيقة وانطلق إلى عالم الحُرية في كتابة قصائده بحيث لم يَحدهُ شكل محدد أو وزن أو قافية وإنما جعل من أحاسيسة تَنسال على الورق فتنتج هالة متوّهجة من المشاعر ولكن داخل حدود المألوف ووفقاً للذوق العام..
يلتحم الحسين بن خليل مع قصائده بيقظة حسية فيربط لنا بين الماضي واللحظة الراهنة وبذلك تنبري لديه الفكرة وتنبثق من عناصر الوجود التي يتحسسها من أشياء وكل ما هو سطحي ظاهري والعوامل النفسية والاجتماعية اللانهائية التي تستنهض لديه الفكرة التي يُريد طرحها, كما أن اللغة التي استخدمها الشاعر تقترب من فهم المتلقي ومنتمية إلى الجزء المتعلق بالحياة ولم تكُ بعيد عن هموم الفرد والمجتمع الذي يعيشه..
أما البُعد المثيولوجي فكان حاضراً في قصيدة " عندما يتعرّى البيْض" يا إنْكيدُو
أتبحث عن الخُلُود؟
تعال وقف على أعْتاب الجسد
وتدلى من شهْوتك
وهي تتضائل تدْريجيًا
لم يقصد الشاعر من خلال استخدام الرمز(إنكيدو) الأسطوري تلك الحدود التاريخية والبايولوجية التي تناولتها الأسطورة وإنما سعى النّاص إلى خلق فضااءت جديدة متنقلة وشظايا متفرقة لرموز عديد حاول جمعها وصقلها لأنتاج واستنهاض رمز جديد امتدادي بين الماضي والحاضر..
"وتتمثل قدرة الأسطورة في إخصاب الأفق الخيالي الإنساني، وتوسيع مداركه الاستنباطية في استنهاض عملية صياغة بنيته الإيحائية المشفوعة بكم من التشفيرات الرمزية، والإيغالات الحالمة، والأسطورة أنموذج تدبيري في تطوير المعارف الألسنية، وتوسيع المدركات الحسية، واستنهاض الملهمات الخيالية،...وكانت الأسطورة قد لاحقت خيال الشاعر الرافديني أبان الحقبة السومرية ليسطر لنا أقدم ملحمة شعرية عرفها تاريخ البشرية (ملحمة كلكامش) الخالدة، التي صورت الملك السومري (كلكامش) سيد مدينة أوروك، حتى انتهى للبحث عن نبات الخلود، حينما مات صاحبه (انكيدو) فهام في البراري، أملاً بان يزيح عن ذاته ذلك المصير البشري المحتوم (الموت)، لكن الأفعى تسرق نبات الخلود، ليبقى ذلك السؤال الكوني المحير يقف بثبات على ناصية الوجود البشري، الذي أسست له الأسطورة السومرية، ومفاد ذلك السؤال، يتلخص حسب رأينا النقديّ بالتالي :-
(( هل أن خلود الإنسان، هو الصيرورة الحقيقية في إثبات وجوده، أم أعماله البطولية، ومواقفه الإنسانية، وتاريخه المشرف، هي التي تخلده )) "5.
عندما ننظر إلى ابتسامة الشاعر نجد خلفها قصص وروايات ومخاوف وأحزان لم يعرفها إلا من يطلع ويقرأ قصائده التي تفجرت من قلب واعي مُثقل بهموم بلده وما يحيط به من آهات شأنه شأن كل عراقي غيور حتى وهو يتحدث عن المرأة وعن تلك الرغبة والشهوة لم يكن بعيد عن هموم ومشاكل وظروف الشباب الذين يُعانون الضيّاع في بلد الخير وقلة الأموال التي تُمَكنهم من الاقتران بزوجة صالحة تحفظ له هيبته واستقراره فنراه تارةً يتغزل وتارةً يوصف مفاتن الأنثى التي تغريّ الشباب في زمن لا يوجد من يأخذ بيدهم إلى طريق حقن وتهذيب تلك الشهوة التي وضعها الله تعالى في بني آدم لذلك كانت قصائده "حُمرة الكلمات الأخيرة, قشْط أكْسدة الرَغْبة, الثانية والستّون بتوقيْت الهلع, على هامش ريْح الشمال, نصوص تَزْني بالمواريث وغيرها من القصائد إشارة منه بمشاعر حقيقية صادقة إلى الشاب العراقي المكبوته رغباته والذي هو بين المطْرقة والسنْدان في ظل مجتمع شرقي وأعراف وتقاليد عشائرية وبين نظام سياسي لا يُلبي أقل طموحاته في العيش بحياة كريمة...
قصائد رائعة أتمنى للشاعر الحسين بن خليل المزيد من الإصدارات والتقدم والرقي في رفد الثقافة الأدبية.

المصادر
1-د. خالد حسين حسين, في نظرية العنوان مغامرة تأويلية في شؤون العتبة النصية ,دار التكوين للتأليف والترجمة والنشر , دمشق/سوريا ط1 2007 ص98.
2-حميد لحمداني, القراءة وتوليد الدلالة م. ث. ع (بيروت) ط1 2003 ص70.
3- سعد الساعدي, النّاص بين قراءة الناقد ومرتكزات التحليل وفق نظرية التحليل والارتقاء النقدية .. مقال منشور في الحوار المتمدن 11/11/2020 

4-- عبد علي حسن – سلطة القراءة – دراسات في ظواهر الرواية العراقية المعاصرة-منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق -2020.
5-الكاتب والناقد سعدي عبد الكريم, جمالية توظيف الأسطورة- نصوص. مقال في جريدة الزمان.28 مارس 2015.
google-playkhamsatmostaqltradent