recent
أخبار ساخنة

شعرية الوجع في (موت جماعي ) للشاعر قاسم وداي الربيعي طالب عمران المعموري


شعرية الوجع في (موت جماعي ) للشاعر قاسم وداي الربيعي
طالب عمران المعموري

انا هنا ازاء شاعر ، حزن يمشي على الارض، تبلورت تجربته الشعرية، طفولته عتبته الاولى، طفولة مشبعة برائحة سومر بيت قصب يلاصق الماء والطين، حيث الطبيعة والحياة البسيطة ، يكتب الشعر بعفوية ينسج خيوط قصيدته ويشكل الصور بلغة بسيطة تضمر معنى عميق فيها من الحذف والتكثيف..
 أتخذ من الواقع الحالي ومن حياته، تفاصيلها، خيباتها وآمالها مادة للكتابة وما هو يومي مادة شعرية يغترف منها ، قصائده طريقة حياة، فهو كلٌ كيانيٌّ يرتبط بروح الشعر، ينتصر للقيم الانسانية ، للجمال ، وللمحبة ، يقتنص اللقطة المؤلمة كصحفي وأعلامي، أرى شعريته تتجسد في الصورة المعبرة التي يلتقطها يبحث عن للآلئ الأبداع المغمورة في خضم النسيان ..
تأثرً بالأدب العربي العباسي وانشغل في البحث عن شعراء العصر العباس الأول ملماً مطلعاً على تجارب الشعراء المتنوعة ومصاحباً العديد من الأدباء والإعلاميين وأهل التجربة الصحيحة..
متابعاً الأدب الغربي الذي أخذ منه المزيد من البحث حتى كان ت_س_ إليوت وبول إيلور ولووركا وآرثر رامبو وناظم حكمت قد منحوه ثقافة شعرية كبيرة . كذلك الشعر العربي الحديث خالط تجربته الفتية حتى شحذ لسانه العديد من الشعراء ربما أمل دنقل وعبد الوهاب ألبياتي والسياب وحسين مردان كانوا يقفون في المراتب الأولى..
أقف عند احد قصائده (موت جماعي ) بعنونة مركبة جملة أسمية وهي عتبة اولى ومن مناصاته المهمة بما يحمله من دلالة سيميائية ومفتاحاً للولوج الى نصه الشعري، وهو استهلال يحمل في طياته كل معاني الموت وشعرية الألم ، قصيدة مفعمة بالرؤيا الجمالية والصدق الفني والانزياحات البائنة يتجلى ذلك في مفرداته التي تتلبد في مناخ القصيدة :
 نواح/ صيحة / خيبات / ميتون / الخسران /العار/ الالم/ نحيب / ميتة/ ضاعت / تكسرت / عراة/..
 و قد يأتي الجمال من أعتى وأعنف المشاعر، الألم والمعاناة فمن تلك اللغة يشكل الشاعر صوره الشعرية للتعبير ولكشف عن ما يخبئه في أعماقه ومن ثمة تتشكل القصيدة مستسلمة لنداء الروح والمشاعر الصادقة.
 اما من حيث العلاقة بين الذات الشاعرة والموروث القومي من ناحية وبينها وبين المشترك الكوني الإنساني يدرك هموم المرحلة التي يمر بها ، يظهر لنا الهم والوجع والحزن العربي والخسارات والخيبات من خلال التفاعل النصي والتشخيصي للواقع معبرا عن طاقة كامنة التي بمثابة ملكة راسخة حصيلة عوامل كثيرة منها الموهبة الشعرية والظروف الحياتية القاسية والمعاناة ، تولدت الشاعرية التي أنتجت الشعرية المتعلقة بالنص، فالشاعرية تتعلق بالمبدع وبهذا تكون السياقات الخارجية والنفسية لها أثر كبير في تلك الطاقة.. فأن التواشج بينهما قوياً ومتيناً،
 وهي عوامل اساسية تسهم في نمو الشاعرية هي (البيئة – الثقافة –الفكر الايديولوجيا – التجربة والمعاناة – النقد والتبادل المعرفي )1 ليعكس نتاجاً ادبياً ناضجاً للمبدع واليوم ( الشاعرية هي حالة نفسية منوطة بدرجة الانفعال واتساع نطاقه وان اسمى درجات الشاعرية وأفعلها في النفوس ما كان منها واسع الانفتاح على أعماق الحياة وصادرا عن النشوة واللذة الوجدانية..)2 فالشاعر عركته الحياة من ظروف الحرب الثمانية أعوام ثم الحصار وما بعد التغير، فأخرج لنا دواوين ونصوص خصبة رائدة ومفعمة بالرؤيا والجمال نراه جليا في نصه :
وأطفال العرب ترضع الخسران والعار
تشهقُ بالألمِ , كأنها وجه أرضنا
الميتة محاسنها في الربيع ..


حضور الصوت الانساني والتوجه الفكري وقضيته الذي يطرحها بفيض محسوس وواقعي ورؤى جمالية كما في نصه:

و أوطاننا يزينها الدم والزجاج
صار حتى النحيب في صباحاتنا
وباءٌ وسعالٌ جاف
ميتة تماما سيدي العربي

تحمل نصوصه دلالات لاتقف عند سقف محدد، وجدنا أن الشاعر يتخذ خطابات نفسية واجتماعية، مخلصا لتجربته الشعرية (شعرية الوجع)
كأننا بالشاعر قاسم وداي وهو يفصح عن هواجسه ومشاعره يقتنص اللحظة الإبداعية وبلغة انزياحية وانحراف لغوي مفارق والخروج عن المألوف والسائد في اللغة حتى تكون أكثر تأثيرا وجمالية في الخطاب على المتلقي ومن ثم أكثر شعرية وكأنه في ذلك يواجه الألم بالشعر ولاسيما ان للشعرية علاقة وشيجة بالجمال.. 
 انما يدل على امكانات وخلفية ثقافية عالية ، حيث الشاعر تأثرً بالأدب العربي العباسي وانشغل في البحث عن شعراء العصر العباس الأول ملماً مطلعاً على تجارب الشعراء المتنوعة ومصاحبة العديد من الأدباء والإعلاميين وأهل التجربة الصحيحة .. 
يظهر ذلك الانزياح كما في:
يسرجون الجياد على أوتار الزغاريد/ قوافلنا يقودها بوم أخرس/ وخبزنا جمره أعقاب السجائر/ تمنــــح الأذرع الهيجان والعناق
/ وأطفال العرب ترضع الخسران والعار/ تنهمر علينا الخيبات كالجراد/

وكذلك اعتمد الخصائص الاسلوبية الجمالية التي امتازت بها لغة وداي الربيعي الانزياح الاستبدالي كالمجاز والاستعارة بما لها من دور مهم بلورة شعرية النص كما في قوله :
تنهمر علينا الخيبات كالجراد/ كأنها عنق امرأة من بلاد السهول والأهداب / / كأنها وجه أرضنا
الميتة محاسنها في الربيع/
وبهذا الاسلوب التعبيري( اضافة ملمح تأثيري الى التعبير، ولا شك في ان هذا الملمح التأثيري ذو محتوى عاطفي)3 موتٌ جـماعي
***********
وددتُ أن أكتب شيئا
عن الأجراس المدوية في تاريخنا
وكيف كانوا يسرجون الجياد
على أوتار الزغاريد
نواح الإبل حين تتأهب للرحيل
عن هتاف الجماهير زمن الاحتلال
غير إنني سمعت أغنية الصحراء
تلتمس قبضة سيف وصيحة مدللة
ميتون نحنُ دعاة التنزيل
قوافلنا يقودها بوم أخرس
وخبزنا جمره أعقاب السجائر
نحلمُ ببطولة يَبيض لها الجبين
كأنها عنق امرأة من بلاد السهول والأهداب
تمنــــح الأذرع الهيجان والعناق
فــــ كيف يكون !
وأطفال العرب ترضع الخسران والعار
تشهقُ بالألمِ , كأنها وجه أرضنا
الميتة محاسنها في الربيع ..
تنهمر علينا الخيبات كالجراد
شعوبنا تأكلُ وتنام ؟
و أوطاننا يزينها الدم والزجاج
صار حتى النحيب في صباحاتنا
وباءٌ وسعالٌ جاف
ميتة تماما سيدي العربي
عواصمنا
قصائدنا
قبائلنا
ضاعت الأوطان وتكسرت الأقواس
لا نجيد إلا ..
قراءة سورة الفاتحة ونحن نتثاءب
تحت نور النجوم الممتعضة
وها نحنُ عراة !
مجدنا صيحات تخرج من الوحلِ
نسينا فيهــا كُل ملامحنا
منشغلون بالطعامِ واللذة
المصادر
1- أيمن اللبدي: الشعرية والشاعرية، دار الشروق،عمان،2006.
2- ريمون طحان: الألسنية العربية، دار الكتاب اللبناني، بيروت ،ط1 ،1972 .
3- علم الاسلوب ومبادئه واجراءاته: صلاح فضل، دار الشروق، القاهرة،1998 .

google-playkhamsatmostaqltradent