recent
أخبار ساخنة

مقالة الأديب والكاتب السوري وائل غازي شعبان حول كتاب ( الميثولوجيا ورحلة العقل نحو اللاهوت )_ (قراءةٌ في كتاب #الميثولوجيا) _ للكاتب أحمد مانع الركابي








مقالة  الأديب والكاتب السوري وائل غازي شعبان  حول كتاب ( الميثولوجيا ورحلة العقل نحو اللاهوت ) 
     (قراءةٌ في كتاب #الميثولوجيا

للكاتب أحمد مانع الركابي

يتناولُ الكتابُ، بحرفيّةٍ عاليةٍ، صيرورةَ تطوُّرِ الأسطورةِ في الوعي الجمعيِّ للكيانِ البشريِّ منذُ طفولتِهِ المُبكِّرةِ عندَ السُّومريّين، مروراً بالحضاراتِ المُتعاقبةِ لبلادِ ما بين النّهرينِ، والجزيرةِ العربيّةِ، وبلاد الأقباط، وصولاً إلى صِباهُ عند الإغريق واليونانيّين، وفتوَّتِهِ المُتمثِّلةِ في الموروثِ الشَّعبيِّ لدى اليهودِ، فرجولتِهِ القائمةِ على المسيحيّة السَّمحاءِ، فوقاره   البادي في عصرنا الحاليّ بالإسلام المعتدل.

يقفُ أحمد، مُمسكاً بعصا الشّارح الأريب على منبر التّاريخِ، ويروي لنا مراحلَ نموِّ الفكرِ الإنسانيِّ وما ترافقَ معها من نشوءٍ للقيم الرّوحانيّةِ، والمعتقداتِ، والسّحر، والدّين، والفلسفة، مُستشهداً بالعديدِ من الكتب الّتي عُنِيت بتأريخِ الحضاراتِ القديمةِ، وتطوّرِ فكرةِ الآلهةِ عبر الزّمنِ.

كما يضيء على أغلبِ أسماءِ الآلهةِ المعروفةِ، ويبيّنُ كيفيّةَ انتقالِ الموروثِ الأسطوريّ بين الشُّعوبِ ودلالاتِهِ في البُعدين الفلسفيّ والدّينيّ، وكأنّه يعرضُ وثائقيّاً مُشوِّقاً مدعّماً بالقرائنِ العلميّةِ، والشّواهد القرآنيّة، فيترك لدى القرّاءِ انطباعاً بأنّه قد عصر أعنابَ جميع كتب التّاريخ القديم في كأسٍ واحدةٍ فمزجها بسلسبيلِ آرائِهِ، وقدّمها هنيئةً مريئةً بعد طولِ عناءِ البحث والتّقصّي، والمقارنة والتحرّي، وبما لا يحتاج معه المُتابعُ إلى مراجعَ إضافيّةٍ.

يمكنُ للقارئِ، ومعَ التّقدمِ في تناولِ مَحاورِ الكتابِ الثّلاثةِ، وبمساعدةِ الكاتبِ البارعِ في ربطِ الأفكارِ، أن يُزامنَ بكلِّ سُهولةٍ ويسرٍ بين مفهومين أساسيّين، هما الطبيعةُ الإنسانيّةُ المتناميةُ للوعي الجَمعيَّ الآدميَّ، وتطوّرُ الدِّياناتِ، بدءًا من تقديس آلهة المصائرِ عندَ شعبِ العراقِ العتيقِ، مروراً بالتّوحيدِ الإدريسيّ، والزرادشتيّ، والأفلاطونيّ، وانتهاءً بالمُوسويّ، فالمسيحيّ، فالمُحمَّديِّ.

كما يُسلّطُ الضّوءَ على قواعدَ أساسيّةٍ ينبغي للمُسلمِ المُتبصِّرِ مراعاتُها عندَ دراسةِ تاريخِ الحضاراتِ الإنسانيّةِ، أذكر منها ما يلي (والله وليُّ التّوفيق):

#أوّلًا:
      بدأت فكرةُ وجودِ القوى العُليا بالتَّبلورِ في وعيِ الشُّعوب معَ نُضوجِ أولى ثقافاتِها، وقد حدثَ ذلك في ظلِّ الحضارةِ السُّومريّةِ، ثمّ تدرّجت الفكرة وهي تسيرُ غربًا عند البابليّين وشرقًا إلى الهندِ، فانتقلت إلى اليهودِ، ومن اليهودِ -وفي فترة ازدهار الحضارة الفارسيّة- إلى الجزيرة العربيّة ومصر.

#ثانيًا:
      كان للسِّحرِ بالغُ الأثرِ في رفدِ صيرورةِ التَّديُّنِ بالركائزِ الفكريةِ المُحدِثةِ للتّصديق بوجود القوى الخارقةِ لمخلوقاتِ العوالمِ العُلويّة والسّفليّة.

#ثالثًا:
      تزامن تطوّرُ علومُ الطبِّ مع تطورِّ السِّحرِ، وبلغَ أوجَهُ مع نشوءِ الأديانِ، فكان العلاج القائم على تهيئةِ النُّفوسِ مَدخلًا إلى وعيٍ بشريٍّ جديدٍ مهَّد لاستحداثِ التصّورِ العامِ عن الخير والشّرّ، والخطيئةِ والعقابِ، وما إلى هنالك من المُتضادّاتِ.

#رابعًا:
      أسهمت دولةُ الإسكندر المقدونيّ بخلقِ مرحلةٍ أرقى للفكرِ، وكانت الفلسفةُ أبرزَ نتائِجِها.

 #خامسًا:
      فتحت الفلسفةُ القائمةُ على التأمّلِ البابَ على مصراعِهِ أمامَ ارتقاءِ الفكرِ نحو عقائدِ التّوحيدِ، فقد وضعت تعاليم هُرمس (وهو نبيّ الله إدريس وفق زعم بعض الرّوايات) عماداً للموروث اليهوديّ، بينما جبلت تعاليمُ زرادشت لَبِنات المدرسةِ الفيثاغورثيّةِ عندَ الإغريق، وكان لها امتدادُ الصّدى لاحقاً في فلسفةِ شعبِ اليونانِ.

 #سادسًا:
      غلبت الفلسفةُ المنطقَظ لتّجريبيّ، وأصبحت أمَّ العلومِ، وكأنَّها عبّرت عن مرحلة اكتمالِ البُنية في عمر الوعيِ البشريِّ، وتلاقت مُخرجاتُها عند فكرة التّوحيدِ، وكأنّها كانت جسراً لمرحلةِ الكهولةِ الإنسانيّةِ القادرةِ على تلقّف أكملِ الرِّسالاتِ السّماويةِ وآخِرِها.

 #سابعًا:
      ارتكز البلاغَ القرآنيُّ على فكرةِ الإعجازِ الدّاعمِ لمستويينِ من الوعي، أوّلهما التّاريخُ المكتوبُ والمكتشفُ، والآخر هو الأسطوريُّ التّمثيليُّ، واتّبعَ الأسلوبَ القصَصيَّ في تمرير جملةِ الأحكامِ النّاظمةِ لأحوالِ البشرِ، ولطائفِ التّرميزِ الفلسفيِّ، وجاذبيّةِ السَّردِ الأسطوريِّ في آنٍ معًا.

 #ثامنًا:
      أثبت القرآنُ مع تقدُّمِ العلمِ العديدَ من المعاجزِ، وبقيت نصوصُهُ التّرميزيَّةُ بعيدةً عن التَّسلسلِ الزَّمنيِّ بما يمكّنه من الاستمرارِ في ضخّ تفاسيرَ متجدِّدةٍ مع تالي الدُّهور، وبما يتوافقُ مع تطوّر المدارك الإنسانيّة.

 #تاسعًا:
      وردَ في رُقُمِ الشّعوبِ القديمةِ الكثيرُ من النُّصوصِ شِبهِ القرآنيّة، والّتي تؤكّد مبدأ التّوحيدِ، وفكرةَ تطوّرِ الوعيِ وبما يُبرهنُ على كمال آخر الدّيانات، من حيث إنّها تتكاملُ مع كلٍّ مِنَ العلمِ التّجريبيِّ والفلسفةِ التأمّليّةِ المتناقضين أصلاً!

يمكنُني تلخيصَ الكتابِ بأنّه شرحٌ وافٍ ومباركٌ للآيةِ الكريمةِ {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} سورة المائدة – الآية 6، وذلك من حيث تقديمِهِ لرمزيّةِ آدمَ، ومراحلِ تطوُّرِ الوعيِ الإنسانيِّ، وصيرورةِ الدِّينِ.

أقتبسُ منهُ نصّاً منسوبًا إلى هُرمس (وقد عاش قبل الميلاد بحوالي ثلاثة آلاف عامٍ) ، يقول فيه واصفاً إلهه:

"إدراكُ آتوم شاقٌّ، وتحديدُهُ مستحيلٌ، فلا يستطيع النّاقصُ والفاني إدراكَ الكاملِ...

آتوم هو الواحدُ الصَّمدُ، غير متحرّكٍ، ومع ذلك هو أصلُ الحركةِ ذاتها...

لا يشوبه نقصٌ، هو الباقي دومًا، هو الخالد أبدًا...

هو الواقع الحقُّ، كما إنّه المطلقُ الأكملُ الأسمى...

هو جمّاعُ الأفكار الّتي لا تُدركها الحواسُّ...

ولا تدركه المعرفةُ مهما عظمت...

آتوم هو الفكرُ الأوّلُ، وهو أعظمُ من أن يُطلق عليهِ اسمُ آت
google-playkhamsatmostaqltradent