recent
أخبار ساخنة

أمانات باب الوجع_ أ.نصير جابر





قال لي وهو يسحب نفسا عميقا  من سيجارة سومر وينفثه مثل غيمة صغيرة:   ...  كان من عادات جدتي(أم جواد) رحمها الله أنها تأخذ كل من تتأخر من (چناينها)  في الحمل ....تضع (علگا )   أخضر حول رقبتها وتجرّها بصمت وهيبة...غروب يوم الخميس وتتجه بعيدا ..صوب القبلة وتقف تحت نخلة الزهدي العالية ...تلك النخلة نفسها التي  يستندعليها تنورنا الطيني  ...وترفع (عصابتها) ...فيظهر شيبها  المصبوغ بحنّاء عتيقة ...وتشوغ بزفير حرّاق (يازينب ..) ...فكان أن امتلأ (الحوش) الواسع  بالأولاد والبنات ..
(زينب )  تكرّر اسمها عندنا كثيرا  ...فعمي (تكليف)  وعمي ( خليل) وعمي (علي) أطلقوا هذا الأسم الطاهر على بناتهم ....وكانت جدتي تناديهن بأسماء الأمهات ...زينب بت بتول ...وزينب بت كريمة ..وو
وشاع بين أهل الشط أنها امرأة مبخوتة وصاحبة دعوة مستجابة  ...فأصبحت مقصدا للنساء ....على يدها يأتي الخصب والفرج دائما....
بداية عام 1986 سيق أحد أعمامي إلى الجيش الشعبي ....فكان بيتنا يعيش على جرف نار  ملتهبة إذ  صار لدينا ثلاثة رجال في الجبهة ...عمي وأحد  أحفادها ....فضلا عن  عمي الكبير ....لذا ظلت جدتي تجلس في باب الدار قبالة الشط ...تنتظر عودتهم ...كنت أتخيل قلبها  وقد جفّ وتجعّد مثل قشور الرمان تحت شمس صاهرة .
صوت (مقداد مراد) الزاعق  ...وهو يوزع   خناجره المسمومة  على القلوب الراعشة  بدا أكثر ما يعذبها  ...فكنا نسارع إلى غلق التلفزيون ....أصبحت ساكنة لا تتكلم ولا تأكل إلاّ القليل ....لكنها لحظة دخول التوابيت ......إلى باحة (الحوش)... جمد الدمع في عيونها....لا أتذكر أنها صرخت...لكني أتذكر جيدا  أنه بعد شهور ....جاءت لها احداهن  ....فقالت لها بنبرة وجع:(  شتسوّن بالولد  ووراهم هاي المطحنة الي ما تخلص )
_نصير( أمانات باب الوجع )
google-playkhamsatmostaqltradent