recent
أخبار ساخنة

متاهة الوجود وتناهيه ،، مسافة السرد الواسعة ،، في رواية "تحفة الرمَّال" للروائي سعد السمرمد

متاهة الوجود وتناهيه ،، مسافة السرد الواسعة ،، في رواية "تحفة الرمَّال" للروائي سعد السمرمد
لا تجد سوى أن تكون منشدَّا ومنشدها ومنشغلا بما يقدمه الروائي ،، سعد السمرمد،، في سردياته التي تمسك بتلابيب ثيابك ولا تجدك منفكا عن متابعة ما يدور بين دفتي غلاف روايته ذلك العالم المسكون باللذة القادمة من أقصى الألم / لذة الرواية وهي تمنحك عالما بديلا يقف موازيا لتفكك منظومات المركزية التي صنعت معانيها الحداثة وساهمت بعملية تقنينها ومن ثم القيام بطرحها بعدِّها خلاصات نهائية لعالم كاد أو شارف على الثبات ما جعلنا نقرأ مدونات روائية غير متماهية مع شظايا الإنسان في لحظته الواحدة وكأنما الكتابة قد درجت على انتقاء تلك اللحظة أنموذجا وترك الآلاف منها من دون بصمات تدوين وهذا ما كان في الشعر وكأن الشاعر يستحضر عناصره من رؤى وأحلام وأدوات كتابة وكلمات تصير جملا وفق سلالم موسيقية هادرة أو واطئة وفقا للسياقات وللأنساق انتظارا لمناسبة يصفف كل ذلك في بيانها تاركا أزمانا من غير التفاتة لكن التدوين هو إشغال الأزمنة والأمكنة وإبعادهما عنا لمسافة حكاية لا تنقضي ولا ينفد ماء مدادها ولا قصب كتابتها في محاولة لإيجاد عالم بديل من كلمات وحكايات تتراص وتتصاف في وفرة أمل إنجاز شيء ولو كان من تجميع الفراغات ومن ثم القيام بالإعلان عنها. هكذا وجدتني مع رواية ،،تحفة الرمَّال،، للروائي ،، سعد السمرمد ،، وهو يدون أشياءه بصمت مطبق مشابها الدراويش في لحظة الخلوة في براري الروح وعلو الجبال ونسيان الصخب. فابتداء من النصوص الموازية التي أثثها بعناية الطير العاشق لعش أنثاه متمثلة بالغلاف والمقدمات والعنوانات الداخلية التي يمكن أن نسميها العتبات أو المنصات الداخلية شاء المدون المنشغل بعالمه أم أبى كان مخططا في خلوته الصوفية أم جاءت عفوية نبيلة خارج النية التي تقع في معظم الأحيان عائقا نفسيا أمام التلقي البري الأبيض للنصوص. 
من هنا ولأجل ترويض جموح الإيغال الذي يسارع في فقه المتلهف للغوص سريعا في عذوبة نهر الحكي لنا أن نفصِّل ما فعله الروائي وهو يخطط بعناية لكل ذلك ، لو تأملنا الغلاف لوجدناه مشتملا على ضدية أو مطابقة في المصطلح البلاغي تقوم بين اللون الأزرق هذا الفراغ المقدس النابت غابات في جينة الوجود ومابين اللون الأصفر تلك المتاهة الصحراوية التي منها حاور الإنسان الوجود وقد قدم كشوفات سواء كانت بيانية على مستوى النبوة أو عرفانية على مستوى التفرد الذاتي التي ضمنتها الصحراء كونها الخلوة والفراغ الهائل ، في وسط لوحة الغلاف هناك باب يفتح على الفراغ ، يا للمتاهة في هذا الوجود، الباب بلونين دالين على الضياع الأزرق في الأعلى والأصفر تناهيا إلى جوهرية المتاهة، حينما تقلب الغلاف عتبة المتاهة سيصادفك بياض كثير تغشى له العيون بينما تسكن في قلبه عبارة مسورة بمستطيل أسود مكتوب فيه ،، تحفة الرمَّال مفقودة ابن زنبل ،، وماكان هذا البياض الشاسع ولا هذه النقطة السوداء في قلبها إلا وجودا دالا على حجم الضياع وشدة الفقد. لو قلبت الورقة الثانية لوجدت نهيا بالأداة ،،لا،، يمضي مجازيا إلى غرض في النصح والإرشاد إذ يضمن وصايا أراد إيصالها للقارئ تحسبا من لوم وتخلصا من زج اغوائي في لجج تلك المتاهة: لا تصدقوا الشخوص ولا تعتقدوا بهم بل تقبلوهم بصفاتهم الرمزية والحكائية لأنهم من صنع الخيال. المؤلف . إنه بهذا يحاول التخلص من إغوائه لفتية القراءة من أن يصلوا إلى متاهة الحكي فقد أبلغ الداخلين قبل البداية بتجهيز أمتعة السفر. في الصفحة الثالثة وفي مفردة الإهداء التي تعد تقنية تساعد في كسر خط الروي وكسر توقعات متن الحكاية كما كل العناصر الموازية التي كنا في تعدادها بدءا من الغلاف نجده يقول : الإهداء إليه بعد فوات الأوان. مايمنح التشكيل العتباتي شيئا من التوجس والحذر والفوات والفقد وهي من عِدَد الصوفي بصرَّته البالية من كثرة الأسفار هذا ما أثبته في ورقة محايثاته الرابعة إذ يدوٍّن : ،،ولتطأطئ رأسك إن لم يكن يسعك المكان ،، رجل صوفي ،،
 في الورقة رقم احدى عشرة في تعداد الروائي للمحايثات النصية والعتباتية وهي توفر مداخل آمنة للقارئ في سبره وللباحث في أمتعته عن دوائر يلجأ إليها ابتعادا عن مفهومات مستقيمة تقطع مسافة واحدة بينما تظل مسافات أخرى واقعة في الهامش المتخلف عن المراكز في رحلة الوجود التي تمثل الرواية الجديدة ردا سحريا على ما يترك أو يتم تغافله وذلك باللجوء إلى تقنية الزمن الصوفي الدائري الذي قد زرع الروائي الحكَّاء الناصح مريديه عيدانه فإن اخضرت حدثت الرؤية واكتمل المتاع وأزف السفر هذا ما أضافته تلك المحايثة المرمية في الأبواب إلى الرواية إذ يمازج فيها الروائي زمنين متوازيين زمن المدونة الأولى الميتا -سرد وزمن المدونة الثانية ما أوحى بدائرية الوجود والإحساس ما يسبب في خلق الأمل بالنجاة من هول هذه المفازة.
من العناصر التي استعملها الروائي حذقا منه في كسر يقينية السرد هي مجموعة العنوانات المبثوثة على طول مفازة الرواية الأمر الذي سبب في مجموعة هذه التماهيات التي تعمل جاهدة لإخراج السرد عن الوصفية الخارجية والدخول في مهمة الاستبصار الجوهرية المداخلة لكل شيء وبهذا تخرج الرواية عن أن تكون فعلا تزيينيا خارجيا لا ينشغل بعملية صنع الوجود والتفنن في رسم مساراته كون العالم مجموعة من العناصر المفككة لياتي الفن متماهيا معها الأمر الذي يقدمه كلا عن كل وجزءا عن جزء في ألعاب زمن عرفاني بعيدا عن الزمن البرهاني الثابت. كانت العنوانات الداخلية كاسرة لأنساق اليقين السردي مما أخرج المدونة من لعبة المسقيمات الذاهبة بعناية صوب أهدافها إلى مدونة دائرية تجعل من الزمن ابتكارا بشريا وأرضيا بامتياز. ومن مجموعة العنوانات الفرعية الكاسرة ليقينية السرد نذكر : ابن زنبل ، القرد سمير، ركوب السلطنة، رقصة البابون ، ابن زنبل والسلطان ، سمير يتساءل ، قرط الوسادة، استهجان ، باب التفاح ، خطر قادم....... إلى سواها الكثير وهي تمنحنا مشاركة فاعلة في التخيل وإنتاج ما يخطر لنا نحن المهمشين من أحلام يدونها الروائي بدلا عنا استجابة لزمننا الواقعي والمتخيل.
google-playkhamsatmostaqltradent